الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إن وقع الإيمان في قلب التائب من الردة والكفر وكان صحيحاً قوياً فإن الله يقبل منه توبته، لأن الشرك والكفر تكون التوبة منه بالدخول في الإسلام والعمل بمقتضى الإيمان، قال الرزي رحمه الله تعالى في الآية السابقة: المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ يَتَكَرَّرُ مِنهُمُ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا وقْعَ لِلْإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، إذْ لَوْ كانَ لِلْإيمانِ وقْعٌ ورُتْبَةٌ في قُلُوبِهِمْ لَما تَرَكُوهُ بِأدْنى سَبَبٍ، ومَن لا يَكُونُ لِلْإيمانُ في قَلْبِهِ وقْعٌ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إيمانًا صَحِيحًا مُعْتَبَرًا؛ فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَوْ أتى بِالإيمانِ الصَّحِيحِ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، بَلِ المُرادُ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ والِاسْتِغْرابُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وكَذَلِكَ نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ، والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الفِسْقِ، فَكَذا هَهُنا.
وقال صاحب روح المعاني: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم أُناسٌ مُنافِقُونَ، أظْهَرُوا الإيمانَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أظْهَرُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
وجَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عامَّةً لِكُلِّ مُنافِقٍ في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في البَرِّ والبَحْرِ.
وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ أرادُوا تَشْكِيكَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ فَيَكْفُرُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ أُخْرى فَيَكْفُرُونَ، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾.....
والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المُرادَ قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ غَيْرَهُمْ،..انتهى.
لكن إن تابوا ودخلوا الإسلام دخولا صادقاً فإن الله يقبل توبة العبد مالم يغرر. وقد قال الله جلّ وعلا: "قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ" سورة الأنفال 38
وفي الحديث الصحيح: (..أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.