الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بـعد :
فأسأل الله أن يعيننا وإياكِ على صدق التوبة والاستقامة على الطاعة .
إن الله تبارك وتعالى بمنه ورحمته يغفر للعبد ، ويقبل توبته ما دام يذنب ويستغفر ، ويأتي بالتوبة بشروطها في وقتها . ومن أركانها العزم على عدم الرجوع إلى الذنب في المستقبل . وإذا كان يتوب كلما أذنب فإن الله تعالى يتوب عليه ولو تكرر ذلك منه مرارًا وتكرارًا ، كما قال تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 54 » الأنعام . وقال تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا « 110 » النساء . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ « 222 » البقرة .
ومعنى التوابين أي الذين يتوبون من الذنب ، وإن تكرر حدوثه منهم ، قال ابن كثير رحمه الله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ . أي : من الذنب وإن تكرر غشيانه . اهـ .
وفي الحديث المتفق عليه : أن عبدا أصاب ذنبًا - وربما قال أذنب ذنبًا - فقال : رب أذنبت - وربما قال : أصبت - فاغفر لي ، فقال ربه : علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به ؛ غفرت لعبدي ، ثم مكث ما شاء الله ، ثم أصاب ذنبًا، أو أذنب ذنبًا ، فقال : رب أذنبت - أو أصبت - آخر فاغفره ، فقال : علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ، ثلاثًا ، فليعمل ما شاء .
قال النووي - رحمه الله - في شرحه لصحيح مسلم : ولو تكررت مائة مرة ، بل ألفًا وأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته ، أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته . اهـ .
ولكن ليس في هذا الحديث ترخيص في فعل الذنوب ، ولا إغراء بالرجوع إليها ، فإن العود إلى الذنب قبيح لما يتضمنه من نقص التوبة ، ولكن فيه فائدة عظيمة أشار إليها القرطبي رحمه الله بقوله : وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة ، لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله . انتهى من فتح الباري .
والله أعلم .