الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
الندم شرط من شروط التوبة وعلامة على قبولها ولا بد منه لتتحقق التوبة ومن لا يَنْدَمُ على القَبِيحِ فذلكَ دَلِيلٌ على رِضَاهُ بِهِ، جَاءَ في مُسْنَدِ الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ أَبِي عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ».
ولا يَتَحَقَّقُ هذا النَّدَمُ إلا بالإِقلاعِ عن المَعْصِيَةِ، وبالعَزْمِ على عَدَمِ العَودَةِ إِلَيهَا، مَعَ الإِخلاصِ للهِ تعال في ذلكَ..
وفي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال وهو على المنبر: ((ارحَمُوا تُرحَموا، واغفِروا يَغفر الله لكم، ويلٌ لأقماع القولِ، ويلٌ للمُصرِّين، الذين يصرُّون على ما فعلوا، وهم يَعلمون)) رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ورُوِي في الأثر عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((التائب مِن الذَّنْب كمَن لا ذنب له، والمستغفِرُ من الذنب وهو مُقيمٌ، كالمُستهزئ بربِّه، ومن آذى مسلمًا كان عليه من الإثم مثلُ كذا وكذا))رواه البيهقيُّ في "شُعَب الإيمان"
يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: "وإن قال بلسانه: أستغفِرُ الله، وهو غير مُقلِع بقلبه فهو داعٍ لله بالمغفرة، كما يقول: "اللَّهمَّ اغفر لي"، وهو حسَنٌ، وقد يُرجى له الإجابة، وأمَّا من قال توبة الكذَّابين فمراده أنَّه ليس بتوبةٍ كما يعتقده بعض النَّاس، وهذا حق؛ فإنَّ التوبة لا تكون مع الإصرار.....ومُجرَّد قول القائل: "اللَّهم اغفِر لي" طلَبٌ منه للمغفرة، ودعاءٌ بِها، فيكون حكمه حُكْمَ سائر الدُّعاء؛ فإنْ شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيَّما إذا خرج عن قلبٍ منكسِر بالذُّنوب، أو صادف ساعةً من ساعات الإجابة كالأسحار، وأدبار الصَّلوات" جامع العلوم والحكم ص(2/ -408-410).
يقول بعض العارِفين: "مَن لَم تكن ثَمرةُ استغفارِه تصحيحَ توبته، فهو كاذبٌ في استغفاره".
وقال بعضُ الصالحين: "استغفارُنا هذا يَحتاج إلى استغفارٍ كثير".
و بهذا المعنى قال بعضهم:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ لَفْظَةٍ بَدَرَتْ خَالَفْتُ مَعْنَاهَا
وَكَيْفَ أَرْجُو إِجَابَاتِ الدُّعَاءِ وَقَدْ سَدَدْتُ بِالذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ مَجْرَاهَا
والاستغفار يكون باللسان ويكون بالقلب ويكون بهما معا، وعلامة القبول الندم والعزم على عدم الرجوع و تغير الحال إلى الأفضل، ومحبة الطاعة وأهلها وبغض المعصية وترك صحبة أهلها، ومن يتوب بلسانه ولا يتوب بقلبه فهو على خطر لأن الله يعلم السر ومطلع على سريرته ويكفيه علم الله بذلك ليستحي منه ويتوب من سوء طويته ، ونسأل أن يتوب علينا ويحفظنا وإياكم .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.