الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
أهلا بك أخي الكريم..
اِعلم إن اﻷدلة القطعية المنقولة والمعقولة تدل على تنزيه الله تعالى عن الحلول في العرش أو السماء أو اﻷرض .
فمن ظن أن الله عز وجل قد حل في العرش أو في السماء أو في اﻷرض فقد خالف اﻷدلة الشرعية واﻷدلة العقلية والحسية من عدة ٲمور .
فأما الأول : مخالفته للأدلة الشرعية فإن الله تعالى قال "ليس كمثله شيء" فإذا كان يحل في مكان فهو شبيه للمخلوقات ﻷنه لايوجد مخلوق إلا في مكان .
وأيضا يلزم من ذلك الاعتقاد السيء أن الله تعالى له حجم وكيفية بمقدار المكان الذي حل فيه وهذا تشبيه بلا شك، فاين قوله تعالى: " ليس كمثله شيء" وأيضا يلزم منه أن الله سبحانه وتعالى محتاج للمكان وهذا يناقض وصفه بصفة الغنى . قال تعالى "إن الله لغني عن العالمين"
والعرش والسماء واﻷرض مخلوقات من ضمن العالمين والله غني عنها. فكيف يظن مسلم أن الله تعالى جالس على العرش أو في السماء الدنيا أو في اﻷرض؟
الثاني : أنه مخالف للمحسوس : فإن من يزعم أن الله تعالى على العرش ثم يزعم أنه ينزل إلى السماء الدنيا حقيقة ثلث الليل اﻵخر فيلزمه أن الله تعالى في السماء الدنيا دائما ﻷنه لا تخلو اﻷرض من ثلث الليل في بلد من بلاد اﻷرض فيدخل تركيا ثم مصر ثم اسبانيا وهكذا يدور على جميع بقاع اﻷرض على مدار الوقت وهذا يناقض عقيدة من يقول أنه مستقر على العرش .
الثالث: أما اﻷدلة العقلية فإن كل متغير حادث فمن يزعم أن الله تعالى تغير فلم يكن في مكان ثم بعد أن خلق المكان حل في مكان فيلزمه أن الله تعالى متغير وكل متغير حادث .
فمسألة نفي المكان عن الله تعالى .
له أدلة نقلية وعقلية قد سبق ذكرها :
أما النقلية ومنها قوله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع العليم"
فلو كان الله سبحانه وتعالى في مكان لكان جسما ولكان محتاجا. ولو كان كذلك كان مثل المخلوق لأنه محدود والمخلوق محدود لأنه في مكان والمخلوق في مكان .
وإذا احتاج للمكان فكيف! وهو القائل" إن الله لغني عن العالمين" والعرش فرد من أفراد العالمين المخلوقين.!
فلو كان الله كما يعتقد المجسمة لكان حادثا لا قديما بلا ابتداء.
فالاستواء لغة له معنيان هما العلو بالقهر، أو الاستقرار والجلوس.
فلما كان الجلوس بعد قيام وهو كناية عن اللغوب وكان الاستقرار بعد اضطراب وهما من خصائص المخلوق المتغير فلا يجوز وصف الله تعالى بهما.
فلم يبق إلا المعنى الصحيح وهو أن معنى الاستواء هو العلو بالقهر للعرش فما دونه.
وبناء عليه فإنه:
ٲولا : من زعم أن الاستواء هو استقرار وجلوس على العرش فقد لزم من كلامه اعتقاد أن الله تغير بعد خلقه للعرش فصار في مكان يجلس عليه سبحانه ولا شك أن التغير حدوث فهو إذن حادث سبحانه وتعالى.
ثانيا: أن المكان ليس فيه شرف لذاته ولذا فقد تجد الوزير في الدور الأرضي والخادم في الدور العلوي .
ثالثا: من زعم أن العلو على العرش كمال فقد لزم الضلال لأن معناه أن الله سبحانه سبحانه كان ناقصا و لم يكن له هذا الكمال إلا بعد خلق العرش فكماله بغيره وليس لذاته.
قال الامام اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزَّبيدي الحنفي (1205هـ) عند شرح كلام الامام الغزالي رحمهما الله تعالى : "الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكِّن جسمًا مماسًا للعرش: إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال" ما نصه: "وتحقيقه أنه تعالى لو استقر على مكان أو حاذى مكانًا لم يخل من أن يكون مثل المكان أو أكبر منه أو أصغر منه، فإن كان مثل المكان فهو إذًا متشكل بأشكال المكان حتى إذا كان المكان مربعًا كان هو مربعًا أو كان مثلَّثا كان هو مثلَّثا وذلك محال، وإن كان أكبر من المكان فبعضه على المكان، ويُشْعِرُ ذلك بأنه متجزىء وله كلٌّ ينطوي على بعض، وكان بحيث ينتسب إليه المكان بأنه ربعه أو خمسه، وإن كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان إلا بتحديد وتتطرق إليه المساحة والتقدير، وكل ما يؤدي إلى جواز التقدير على البارىء تعالى فتجوّزه في حقه كفر من معتقِدِه، وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميز عن ذلك المحل إلا بكون، وقبيح وصف البارىء بالكون، ومتى جاز عليه موازاة مكان أو مماسته جاز عليه مباينته، ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن إلا حادثًا، وهل علمنا حدوث العالم إلا بجواز المماسة والمباينة على أجزائه. وقصارى الجهلة قولهم: كيف يتصوّر موجود لا في محل؟ وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يَعْرِفُ غورَها وقعرها إلا كلُّ غوّاص على بحار الحقائق، وهيهات طلب الكيفية حيث يستحيل محال.
والذي يَدْحَضُ شُبَهَهُمْ أن يُقال لهم: قبلَ أن يَخْلُقَ العالم أو المكانَ هل كان موجودًا أم لا؟ فمِن ضرورة العقلِ أن يقول: بلى، فيلزمه لو صحَّ قولُه: لايُعلمُ موجود إلا في مكان أَحَدُ أمرين:
إما أن يقول: المكان والعرش والعالم قديم، وإما أن يقول: الربُّ تعالى محدَثٌ، وهذا مآلُ الجهلة والحشويةِ، ليس القديمُ بالمحدَثِ، والمُحدَثُ بالقديم. ونعوذ بالله من الحَيْرة في الدين" اهـ.
ثم بعد هذا تعال لتتأمَل قول الله تعالى "هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمور ". الحديد : 4 ـ 5 .
ففي هذه الآيات يفسر معنى العرش بأنه ملك الله تعالى أي جميع مخلوقات الله تعالى.
فهي ملك للمالك الواحد الأحد عز وجل وهي تحت قهره وسيطرته ولذا فمعنى استوى على العرش :أي علا على مخلوقاته علو قهر وسلطان فجميعها تحت قهره وسلطته.
قال الامام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين:في تفسيره لسورة البقرة في قوله تعالى" ثم استوى الى السماء"
........ فكذلك فقل : علا عليها علو ملك وسلطان ، لا علو انتقال وزوال. انتهى.
المعنى الثاني: أن معنى العرش هو السقف ، لأن العرش سقف المخلوقات .
وهذا أيضا من المعاني الصحيحة وهو خاص ببعض النصوص التي وردت بذكر العرش .
ويدل على ذلك قوله تعالى " وهي خاوية على عروشها"ذكر الامام ابن جرير في تفسيرها عن الإمام السدي : أنه قال : ساقطة على سقفها ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ“ [صحيح البخاري، ومسند أحمد وغيرهما]
ونقول عرش الرحمن كما نقول بيت الله أو ناقة الله أو أرض الله، أي أنه إضافة مخلوق إلى خالق.وكما أن المسلم لا يفهم من قولنا بيت الله أن الله له بيت يسكن فيه سبحانه ،فكذلك يجب عليه أن لا يفهم من قول عرش الرحمن أنه عرش يجلس أو يستقر الله فيه كما يفهم المشبهة المجسمة.
والعرش مخلوق عظيم خلقه الله تعالى فوق جميع المخلوقات وهو سقف للمخلوقات وله قوائم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِ ذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ.“
والله خلق العرش بعد خلق الماء وكان العرش على الماء ثم خلق السموات والأرض بعد خلق العرش .
قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود : 7]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ“ الحديث[صحيح البخاري]
إذا قرآنا هذه الآيات التي ذكر فيها العرش فهمنا أن جميع الآيات التي وردت فيها كلمة العرش مقرونة بالاستواء فإن العرش فيها معناه :الملك وليس معناه السقف فلا حاجة بنا إلى الكلام عن نفي حلول الله تعالى وجلوسه في العرش لأنه أصلا لم يبقى أي شبهة يتذرع بها المشبهة للتمسك بهذا التفسير الفاسد. ولكن من باب الزيادة في دفع ضلالة التشبيه قال أهل السنة رحمهم الله تعالى:
إن النصوص تدل على أن الله تعالى يستحيل أن يكون جالسا أو مستقرا على مخلوق من مخلوقاته سواء كان العرش أو غيره لأن الله تعالى غني عن كل شيء وكل شيء فقير الى الله تعالى .والله تعالى لا يشبه المخلوقات ولا يقاس عليها.
فمن يعتقد أن الله تعالى جالس أو مستقر على العرش كما يقول اليهود والمبتدعة فقد شبه الله بخلقه .
قال الله تعالى "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به "
فدلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في العرش .
قال الامام الرازي رحمه الله تعالى في تفسيرها في سورة غافر:دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في العرش ، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية : ( الذين يحملون العرش )
وقال في آية أخرى : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [الحاقة : 17] ولا شك أن حامل العرش يكون حاملا لكل من في العرش ، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم ، فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم ، والحافظ القادر أولى بالإلهية ، والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، فحينئذ ينقلب الإله عبدا والعبد إلها ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام. .
والله اعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.