الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
الزواج والفقر والغنى ونحوه... قد يكون من القضاء المبرم الذي هو غيب وقد يكون من القضاء المعلق وهو غيب أيضا..
والعبد يأخذ بالأسباب ويتوكل على الله فيما هو مطلوب منه ويفوض حاله وأمره لله مستسلما لقضائه مع الرضى القلبي والله الموفق لما فيه الخير للعبد فهو أعلم بحاله أيا كان..
وأما ما يتغير وما لا يتغير من القضاء :
فالقَضَاءُ الْمُبْرَمُ أي المحتوم لا يَرُدُّهُ شَىْءٌ، لا دَعْوَةُ دَاعٍ وَلا صَدَقَةُ مُتَصَدِّقٍ ولا صِلَةُ رَحِمٍ.
وَالقضاء الْمُعَلَّقُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ في صُحُفِ الْمَلائِكَةِ الَّتي نَقَلُوهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظ. مَثلاً يَكُونُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُم فُلانٌ إِنْ دَعَا بِكَذَا يُعْطَى كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لا يُعْطَى. وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا سَيَكُونُ مِنْهُ. فَإِنْ دَعَا حَصَلَ ذَلِكَ.
وَيَكُونُ دُعاؤُهُ رَدَّ القَضَاءَ الثَّانِيَ الْمُعَلَّقَ. وَهَذَا مَعْنى الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ أَوِ الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ.
وَلَيْسَ مَعْنَاهُ تَقْدِيرَ اللهِ الأَزَلِيِّ الَّذي هُوَ صِفَتُهُ مُعَلَّقٌ عَلَى فِعْلِ هَذَا الشَّخْصِ أَوْ دُعَائِهِ فَاللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ. وعلمه كاشف لما سيقع فيَعْلَمُ أَيَّ الأَمْرَيْنِ سَيَخْتَارُ هَذَا الشَّخْصُ وَمَا الَّذي سَيُصِيبُهُ. وَكُتِبَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَيْضًا وَعَلَى مِثْلِ هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الَّذي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:
"لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ. وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ." فَقَوْلُهُ: "لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ" مَعْنَاهُ فيما كُتِبَ مِنَ الْقَضَاءِ الْمَحْتُومِ. وَقَوْلُهُ: "وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ"، مَعْنَاهُ المَقْدُورُ.
وَيَدُلُّ على ذَلِكَ مَا وَرَدَ في في الصَّحِيحِ في حَديثِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ قالَ: "سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي ثَلاثًا فَأَعْطَاني ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَني وَاحِدَةً. سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ (أي المجاعة) العَامَّةِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسألْتُهُ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَأصِلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُم فَمَنَعِيها. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ."اهـ
هَذَا الحَدِيثُ الكَلاَمُ فِيهِ عَنِ القَضَاءِ الْمُبْرَمِ المحتوم.
وعَلَى كُلِّ حَالٍ مَشيئَةُ اللهِ وَتَقْدِيرُهُ وَعِلْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ.
وقد قَالَ الإمام الْغَزَالِي رحمه الله تعالى ُّ في الإحْيَاءِ:
"فَإِنْ قُلْتَ فَمَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَالْقَضَاءُ لا يُرَدُّ؟
فَالْجَوَابُ:
إِنَّ مِنَ الْقَضَاءِ رَدَّ الْبَلاءِ بِالدُّعَاءِ. فَالْدُّعَاءُ سَبَبٌ لِرَدِّ الْبَلاءِ وَاسْتِجْلابِ الرَّحْمَةِ كَمَا أَنَّ الْتِّرْسَ سَبَبٌ لِرَدِّ السَّهْمِ، وَالْمَاءَ سَبَبٌ لِخُرُوجِ النَّبَاتِ." اهـ
وَخَرَّجَ الْتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ عَن أَبِي خُزَامَةَ وَاسْمُهُ رِفَاعَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
"سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رُقَىً نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟"
قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام:
"هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ". قَالَ أَبُو عيسى –أيِ التِّرْمِذِيُّ- هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفي بَعْضِ نُسَخِهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ. فَلَيْسَ وَرَاءَ هَذَاh الْكَلامِ مِنْ السَّيِّدِ الْمَعْصُومِ مَرْمًى لأَحَدٍ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ جَوَابَ الْفَارُوقِ لأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ هَمَّ بِالرُّجُوعِ مِنْ أَجْلِ الدُّخُولِ عَلَى أَرْضٍ بِهَا الطّاعُونُ وَهِيَ الشَّامُ. فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأَثِيرِ في الْكَامِلِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنْهُ رَدَّ عَلَى سُؤالِ أَبِي عُبَيْدَةَ: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟" فَأَجَابَهُ عُمَرُ: "نَعَمْ تَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلى قَدَرِ اللهِ"، أَيْ إِذَا خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ إِلى أَرْضٍ أُخْرَى كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ اللهِ، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ.
وَذَلِكَ في الواَقْعَةِ المَعرُوفَةِ بِطَاعُونِ عَمْوَاسَ الَّذِي أَتَى عَلَى كَثِيرٍ مِن جِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَخِيرَةِ الْفَاتِحِينَ، فَكَانُوا شُهَدَاءَ الطَّاعُونَ.
ففي سنن الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر )) رواه الترمذي وحسّنه والحاكم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا:د ( إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء. رواه أيضا الترمذي ورواه البزار والطبراني والحاكم وصححه الحاكم كما في ترغيب المنذري قال الله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49].
وروى الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة.) .
ومعنى: (يعتلجان) أي: يتصارعان، فأيهما غلب أصاب، فهذا الذي ورد من هذه الأحاديث أن الدعاء الذي يرفعه العبد إلى الله -تبارك وتعالى- يلتقي مع القضاء الذي قدره الله ما بين السماء والأرض، ويحدث بينهما هذا اللقاء أو التصارع -كما ورد في سؤالك- فإذا كان دعاؤك أقوى رد الله -تبارك وتعالى- به قضاءه الذي قدره، واعلم أن الدعاء من قضاء الله؛ لأن الله لو لم يشأ لك أن تدعو لن تستطيع أن تدعو، ولذلك القضاء من الله والدعاء أيضاً من الله.
كتب الله أنه سينزل قضاء معيناً وكتب الله أنك ستدعو بهذا الدعاء، وكتب الله أن هذا الدعاء سوف يتغلب على هذا القضاء فلا ينزل أو ينزل مخففاً، إذا كان القضاء أقوى؛ لأنه أحياناً قد يكون القضاء أقوى من الدعاء فينزل القضاء مخففاً، كما لو أن إنسان قضى الله تبارك وتعالى له أن يصاب بمرض مزمن وهو يدعو الله بسؤال العافية دائماً وهذا الدعاء كان قوياً ولكنه ليس في قوة القضاء الذي قضاه الله فينزل هذا القضاء في صورة مرض مخفف، بدل من أن يكون مرضاً مزمناً يكون مرضاً طارئاً يعالج بأبسط أنواع العلاج، وبذلك يتحقق مراد الله تعالى.
أيضاً قد يقدر الله مثلاً للعبد أن يكون فقيراً فيدعو الله تبارك وتعالى فيسأله الغنى فيجعله الله تبارك وتعالى متيسر الحال، وهذا أيضاً في علم الله تعالى؛ لأن الله علم كل ما هو كائن قبل خلق السموات والأرض وقبل أن يخلق جميع المخلوقات والكائنات، ولذلك قال - تبارك وتعالى-: ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ))[الزمر:62]،
ولذلك قال العلماء : ( علم الله صفة كاشفة وليس صفة مؤثرة)
ولذلك نقول: إن الدعاء والقضاء يتصارعان ما بين السماء والأرض هذا حق، ولذلك إذا كان القضاء أقوى نزل وذلك إذا كان الإنسان لا يدعو، ولذلك أحياناً الإنسان منا يغفل عن الدعاء ولا يدعو دعاء معيناً ولذلك ينزل القضاء فيتحكم منه لعدم وجود قوة رادعة وهي الدعاء، أما إذا كان هنالك دعاء فعلى قدر قوة الدعاء يكون التأثير بإذن الله تعالى.
ولذلك نحن أمرنا بالدعاء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فعليكم عباد الله بالدعاء)، والله تبارك وتعالى قال: ((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))[غافر:60]، ولو نظرت في القرآن لوجدت أن هناك أموراً كثيرة جدّاً تأثرت بالدعاء وتغيرت، فهذه دعوة نوح عليه السلام على قومه فأهلكهم الله تعالى بالدعاء عندما قال: ((رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا))[نوح:26-27]، وهذا فرعون وقومه أهلكهم الله تبارك وتعالى بدعاء موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما قالا: ((رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ))[يونس:88]، وهكذا ...
فكل الذي يحدث إنما هو تأثر فعلاً بالدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء).
وهذا معنى قولهم الدعاء يرد القضاء وقولهم
اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.
وهذه العبارة واردة عن كثير من الأولياء والعارفين وهي جائزة والدعاء يتناول القضاء المعلق دون المحقق(المبرم) .
والقضاء المُعَلَّق، ليس معلَّقًا في علم الله تعالى، فالله عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شىء في الأرض ولا في السماء، عِلمُه أزلي أبدي لا يتغيَّر.
هذا ما فتح الله به ونسأل الله أن يعم به النفع والهداية وكشف الشبهة لدى من وقعت له من أهل الغواية وأصحاب الشبهات..
فالله الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.
ويمكن الرجوع الي كتاب الدعاء لسيدي العلامة الحسيب النسيب المحدث الشيخ عبد الله سراج الدين الحلبي رحمه الله تعالى فما سبق أكثره منه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.