الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ كَحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصُّهُ: (أَمَّنِي جِبْرِيل عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ سَفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل وَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في التمهيد: وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. (سنن الترمذي 1 / 178 - 280 ط الحلبي، ونصب الراية 1 / 221، وجامع الأصول 5 / 209، 210) .
1- مَبْدَأُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنِهَايَتُهُ:
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ زَوَال الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ تُجَاهَ الْغَرْبِ، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاؤُهَا قَبْل الزَّوَال.
وَيُعْرَفُ الزَّوَال بِأَنْ تَغْرِزَ خَشَبَةً مُسْتَوِيَةً فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَالشَّمْسُ لاَ زَالَتْ فِي الْمَشْرِقِ، فَمَا دَامَ ظِل الْخَشَبَةِ يُنْتَقَصُ فَالشَّمْسُ قَبْل الزَّوَال، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَشَبَةِ ظِلٌّ، أَوْ تَمَّ نَقَصَ الظِّل، بِأَنْ كَانَ الظِّل أَقَل مَا يَكُونُ، فَالشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تُحْظَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ، فَإِذَا انْتَقَل الظِّل مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَبَدَأَ فِي الزِّيَادَةِ، فَقَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَدَخَل وَقْتُ الظُّهْرِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ الظُّهْرِ الزَّوَال، حَدِيثُ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمُ.
وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الظُّهْرِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَعَهُمْ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، لِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ .
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: حِينَ يَبْلُغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال: وَالْمُرَادُ بِفَيْءِ الزَّوَال: الظِّل الْحَاصِل لِلأَْشْيَاءِ حِينَ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لأَِنَّ الظِّل رَجَعَ إِلَى الْمَشْرِقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الْمَغْرِبِ، وَيَخْتَلِفُ ظِل الزَّوَال طُولاً وَقِصَرًا وَانْعِدَامًا بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ. وَكُلَّمَا بَعُدَ الْمَكَانُ مِنْ خَطِّ الاِسْتِوَاءِ كُلَّمَا كَانَ فَيْءُ الزَّوَال أَطْوَل، وَهُوَ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَل مِنْهُ فِي الصَّيْفِ.
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ بُلُوغُ ظِل الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَال، بِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ كَانَ بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْل التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا. ثُمَّ أُوتِيَ أَهْل الإِْنْجِيل الإِْنْجِيل فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ،فَعَمِلَنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَال: أَهْل الْكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً؟ قَال: قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: هَل ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا: لاَ. قَال: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.
دَل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا كَانَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمِثْلَيْنِ.
وَاسْتَدَل لأَِبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَالإِْبْرَادُ لاَ يَحْصُل إِلاَّ إِذَا كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، لاَ سِيَّمَا فِي الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ كَالْحِجَازِ .
وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الظُّهْرَ لَهُ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى آخِرِهِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْجَمْعِ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الاِخْتِيَارِيَّ لِلظُّهْرِ إِلَى بُلُوغِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَوَقْتُهُ الضَّرُورِيُّ حِينَ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بَعْدَ بُلُوغِ الظِّل مِثْلَهُ، إِلَى مَا قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ إِلاَّ صَلاَةَ الْعَصْرِ.
2- أَمَّا مَبْدَأُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ (2) وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَدَاخُل وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا صَلَّى الظُّهْرَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَآخَرُ صَلَّى الْعَصْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَتْ صَلاَتُهُمَا أَدَاءً، وَخَالَفَ فِي هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ (3) .
اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَل مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُْمَمِ. . .، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا كَانَ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُدَّةَ الْعَصْرِ أَقَل مِنْ مُدَّةِ الظُّهْرِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّل وَقْتِ الْعَصْرِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ فِي الْحَدِيثِ؛ لأَِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَهُوَ يَتَعَارَضُ مَعَ صَلاَتِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل وَقْتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَدَفْعًا لِهَذَا التَّعَارُضِ قَالُوا: إِنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، أَيْ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْل.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيل، وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، الأَْمْرُ الَّذِي يَدُل عَلَى تَدَاخُل الْوَقْتَيْنِ.
أَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَمَا لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَيُضِيفُ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ وَقْتَ الاِخْتِيَارِ يَنْتَهِي بِمَبْدَأِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: حِينَ يَصِيرُ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ إِلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَصْرَ لَهُ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ، فَضِيلَةٌ: أَوَّلُهُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ: إِلَى الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ - لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ - فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ تَطْهُرَانِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَالْمَرِيضُ يَبْرَأُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَيْضًا، وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ وَهُوَ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ حُرْمَةٍ، وَهُوَ مَا قَبْل آخِرِ الْوَقْتِ بِوَقْتٍ لاَ يَسَعُ جَمِيعَهَا.
الموسوعة الفقهية الكويتية (7- 174-172-)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.