الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
هذا الذي في الذهن يعتبر من حديث النفس أو ذكر القلب والعمل به الذي يكون فيه دعاء أن يتلفظ به الداعي ليكون دعاء، فالدعاء الذي هو مخ العبادة يحتاج إلى تلفّظ به ليكون دعاءً ومناجاة من العبد لربه، مع العلم أن الله مطّلع على هذا السر، وكل ما يختلج في الذهن والقلب والله سبحانه وتعالى غنيُ عن الشرح والتعبير، وتأمّل كلام الإمام الرازي في نهاية هذا الجواب,,,, إلا أن الله أمرنا بالدعاء وهو التلفظ بالأذكار والأدعية المشروعة..
وهذا الي يختلج في القلب والذهن في معنى الدعاء هو جائز وله ثواب لأنه نوع من الذكر الخفي عموماً وتحريك الشفتين واللسان به هو المطلوب لتحصيل عبادة الدعاء والطلب من الله وقد يستجيب الله للعبد دون أن يتلفظ لأنه قال( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [التغابن:4]
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى في التحرير: والدُّعاءُ حَقِيقَتُهُ النِّداءُ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى النِّداءِ لِطَلَبٍ مُهِمٍّ، واسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِبادَةِ لِاشْتِمالِها عَلى الدُّعاءِ والطَّلَبِ بِالقَوْلِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، كَما في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، مَعَ مُقارَنَتِهِما لِلْأقْوالِ..
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار:
فصل في [أنه لا يُعْتَدُّ بالذكر حتى يُتَلَفَّظُ به] : اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً، لا يُحسبُ شيءٌ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به، بحيثُ يسمعُ نفسهُ إذا كان صحيح السمع لا عارض له؛ والله أعلمُ. الأذكار للنووي ط ابن حزم (ص: 47)
وأما مافي الصحيحين وغيرهما وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. فهو بالنسبة للذكر أصلاً وليس للدعاء والله أعلم قَال ابْنُ حَجَرٍ: " قَال بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الذِّكْرَ الْخَفِيَّ أَفْضَل مِنَ الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ بِثَوَابٍ لاَ أُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا فتح الباري 13 / 386.
ولذلك حمله بعض العلماء على الحديث القدسي الآخر. ( أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ) أخرجه أحمد (2 / 540 - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، والحاكم (1 / 496 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي الدرداء، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
والخلاصة: أنه باعتبار الذكر فإن هذا جائز وله ثواب الذكر ولو لم يسمع نفسه أو تتحرك شفتاه والأفضل بالذكر أن يسمع نفسه إن كان معتدل السماع وخصوصاً أذكار الصلاة والأذكار المقيدة والمطلوبة، وإن كان باعتبار الدعاء والطلب من الله فلا بد من أن يُسمِع نفسه في الدعاء فوق الهمس ودون الجهر من القول والله أعلم
قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى مبينا مقاماً آخر من مقامات العبادة لا نستطيع أن ندعيه ولكن نذكره للاستفادة قال رحمه الله تعالى: عِلْمَ الحَقِّ مُحِيطٌ بِحاجَةِ العَبْدِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ مَوْلاهُ عالِمٌ بِاحْتِياجِهِ، فَسَكَتَ ولَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الحاجَةَ كانَ ذَلِكَ أدْخَلَ في الأدَبِ، وفي تَعْظِيمِ المَوْلى مِمّا إذا أخَذَ يَشْرَحُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الحالَةِ، ويَطْلُبُ ما يَدْفَعُ تِلْكَ الحاجَةَ، وإذا كانَ الحالُ عَلى هَذا الوَجْهِ في الشّاهِدِ، وجَبَ اعْتِبارُ مِثْلِهِ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ يُقالُ إنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وُضِعَ في المَنجَنِيقِ لِيُرْمى إلى النّارِ، قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُ رَبَّكَ، فَقالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
وهنا تنبيه لا بد منه في هذا المقام كما في تفسير روح المعاني للألوسي رحمه الله تعالى: أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا فَرَضِيَ لَهُ فِعْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِّرِّ ودَعْوَةِ العَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وجاءَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِقَوْمٍ يَجْهَرُونَ: أيُّها النّاسُ أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وهو مَعَكم وهو أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» والمَعْنى ارْفُقُوا وأقْصِرُوا مِنَ الصِّياحِ في الدُّعاءِ.
ومِن هُنا قالَ جَمْعٌ بِكَراهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ وفي الِانْتِصافِ حَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الأسْرارِ فِيهِ اقْتِرانُهُ في الآيَةِ بِالتَّضَرُّعِ فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ لِقَلِيلِ الجَدْوى فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ فِيهِ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ في الدُّعاءِ خُصُوصًا في الجَوامِعِ حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ ولا يَدْرُونَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ وكَوْنِ ذَلِكَ في المَسْجِدِ. انتهى من روح المعاني تفسير سورة الأعراف.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. آمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.