الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإننا نحذرك ـ أيها الأخ الكريم ـ من الاسترسال في المعصية والانهماك فيها وندعوك إلى التوبة النصوح إلى الله تعالى، فإن المعاصي والسيئات ولود يجر بعضها إلى بعض ويحمل بعضها على بعض، ويخشى على المرء من تتابع الذنوب واتصالها وعدم التوبة منها أن يصل به الأمر إلى أن يطبع الله على قلبه، كما قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ {المطففين:14}.
وقد روى الترمذي وغيره، وقال الترمذي: حسن صحيح ـ من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن إذا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ.
فحذار حذار ـ أيها الأخ الفاضل ـ من هذه الغائلة الهائلة، ولا تعرض نفسك لغضب الله تعالى، فإن غضبه تعالى لا يقوم له شيء، واعلم أن تماديك في المعصية وإصرارك عليها يخشى عليك به سوء الخاتمة ـ والعياذ بالله ـ ويخشى مع تتابع الذنوب ومرور الأيام أن يسلب من قلبك هذا الشعور بالألم الذي تحس به عند فعل المعصية فلا تأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وليس شيء أنفع لك من التوبة النصوح والاستقامة على شرع الله تبارك وتعالى والانكفاف عن الذنوب جميعها صغيرها والكبير، وقد يكون الأمر صعبا في أوله، لكن مع توطين النفس على التوبة والاستقامة ومجاهدتها المجاهدة التامة الصادقة والاستعانة بالله تبارك وتعالى واللجأ إليه في أن يصرف عنك شر الشيطان الرجيم وشر النفس الأمارة بالسوء لن يخيب سعيك وستوفق للإقلاع عن هذا الذنب بإذن الله، واعلم أن ما يفعله الإنسان من حسنات يرجى له به محو أثر الذنوب أو تخفيفه ـ بإذن الله ـ كما قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ {هود:114}.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه. انتهى.
وقال رحمه الله: يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب فيدفع الأقوى للأضعف وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة كأسباب الصحة والمرض وأسباب الضعف والقوة. انتهى.
قوة الإيمان تعينك على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أسباب قوة الإيمان:
١) العناية بالقرآن، والإكثار من تلاوته، ومن تدبر معانيه، والإقبال على ذلك بنيةٍ صالحة، وقصد صالح لقصد العلم بالله، وقوة الإيمان بالله، ولقصد الإيمان بالآخرة، وقوة ذلك، ولقصد العمل بما يرضي الله، ويقرب لديك، وينفع في الآخرة، ويكون سببًا للنجاة، والسعادة في الآخرة.
٢) العناية بالأحاديث، وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وأخلاق الصحابة والأخيار، كونك تسمع الأحاديث، تسمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأعماله، وأعمال الصحابة، ونشاطهم في الخير، وخوفهم من الله، حتى تتأسى بهم، تتأسى بالأخيار، تعمل كأعمالهم، وتجتهد في ذلك.
٣) محاسبة النفس، وتذكر، الموت يأتي بغتة، ماذا عملت، ماذا قدمت لآخرتك، حتى تعد العدة، قبل أن يهجم عليك الأجل، فإن محاسبة النفس، والنظر فيما أعدت للآخرة؛ مما يقوي إيمانك، ومما يعينك على طاعة الله ورسوله، ومما يعينك على البدار بالتوبة إلى الله من سيئات أعمالك، وتقصيرك.
٤) صحبة الأخيار، كونك تصحبهم، وتجالسهم، فتستفيد من أخلاقهم، وعلمهم، ويذكرونك بالآخرة، ويعينونك على ذلك.
٥) حضور حلقات العلم، تلتمسها، وتحضرها، وتستفيد منها، وكذلك تصغي عند سماع الخطب، خطب الجمعة، وغيرها من الخطب النافعة، ومن إذاعة القرآن، تستمع إلى القرآن الكريم، تستمع المواعظ، والندوات المفيدة، حتى تستفيد من ذلك، وحتى يرق قلبك، ويقوى إيمانك.
والله أعلم.