بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الموضوع: استِفْسَارٌ حَوْلَ حُكْمِ هِبَةٍ (ذَهَبٍ وَأَمْوَالٍ) تَمَّتْ فِي حَيَاةِ الْأَبِ
فَضِيلَةَ الْمُفْتِي، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
أَرْجُو مِنْ سِيَادَتِكُمْ التَّكَرُّمَ بِالإِفَادَةِ فِي مَسْأَلَتِي، وَتَفَاصِيلُهَا كَالتَّالِي:
أَوَّلًا: بِخُصُوصِ طَاقِمِ الذَّهَبِ:
١. فِي صِغَرِي، فِي سِنِّ الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ، عَرَضَتْ عَلَيَّ وَالِدَتِي طَاقِمًا مِنَ الذَّهَبِ مِنْ أَحَدِ الْأَقَارِبِ، وَقَالَتْ لَهَا: (تَاخُدِي الطَّاقِم دَه لِفُلَانَة اللِّي هِيَّ الْبِنْتِ الصُّغْرَى)، فَرَدَّتِ الْأُمُّ: (سَأَعْرِضُ الْأَمْرَ عَلَى وَالِدِهَا)، وَقَدْ عُرِضَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَبِ، فَوَافَقَ، وَأَعْطَاهَا الْمَالَ لِشِرَائِهِ، وَكَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ حِفْظَ الْمَالِ لِلْبِنْتِ.
٢. مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، كُنْتُ أَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لِي، فَأَرْتَدِيهِ فِي الْمَنْزِلِ، وَكَانَ وَالِدَايَ يَسْمَحَانِ لِي بِذَلِكَ.
٣. لَاحِقًا، عِنْدَ تَقَدُّمِ أَحَدِ الْخُطَّابِ لِخِطْبَتِي، كَانَتْ نِيَّةُ وَالِدِي أَنْ يَضَعَ هَذَا الطَّاقِمَ فِي شَبْكَتِي (وَلَمْ تَتِمَّ الْخِطْبَةُ)، ثُمَّ صَرَّحَ وَالِدِي أَمَامَ إِخْوَتِهِ وَأَبْنَاءِ إِخْوَتِهِ قَائِلًا: (أَنَا جَايِبْ لَهَا طَاقِمْ ذَهَبْ، كُنْتْ نَاوِي أَحُطُّهُ لَهَا فِي شَبْكَتِهَا)، وَلَمْ يَرْبِطْ ذَلِكَ بِأَيِّ شَرْطٍ كَاسْتِخْدَامِهِ فِي الْجِهَازِ، أَوْ غَيْرِهِ.
٤. بَعْدَ ذَلِكَ، كُنْتُ أَرْتَدِي الطَّاقِمَ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهُ لِي، وَأَتَزَيَّنُ بِهِ وَأَخْرُجُ بِهِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ أَمَامَ إِخْوَتِي وَالْجَمِيعِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ وَالِدِي وَبِمَعْرِفَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، إِذْ كَانَ يَرَانِي أَرْتَدِيهِ وَلَمْ يُعَارِضْ.
٥. عِنْدَمَا أَرَدْتُ تَجْهِيزَ نَفْسِي لِلزَّوَاجِ بَعْدَ وَفَاةِ الْأَبِ، فَكَّرْتُ فِي بَيْعِ الطَّاقِمِ لِأُكَمِّلَ جِهَازِي، وَلَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَاسْتَعَنْتُ بِمَصَادِرَ مَالِيَّةٍ أُخْرَى (مِنْ عَمَلِي الْخَاصِّ، وَذَهَبِي الْخَاصِّ، وَمُسَاعَدَةٍ مِنْ أَعْمَامِي وَأَخْوَالِي).
ثَانِيًا: بِخُصُوصِ الْأَمْوَالِ:
١. قَامَ وَالِدِي بِتَجْمِيعِ مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ، وَخَصَّصَهُ لِتَجْهِيزِي.
٢. وَلِصِغَرِ سِنِّي وَقْتَهَا، أَعْطَى وَالِدِي الْمَبْلَغَ لِوَالِدَتِي، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَفْتَحَ حِسَابًا بَنْكِيًّا بِاسْمِهَا، وَتُودِعَ فِيهِ الْمَالَ، لِحِفْظِهِ لِي، أَيْ أَنَّ الْمَالَ خَرَجَ مِنْ حِيَازَةِ الْأَبِ إِلَى حِيَازَةِ الْأُمِّ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهَا.
٣. بَعْدَ فَتْرَةٍ، وَفِي جَلْسَةٍ مَعَ إِخْوَتِي الذُّكُورِ (الأَرْبَعَةِ)، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَيٌّ مِنَ الإِنَاثِ لِانْقِطَاعِهِنَّ عَنْ وَالِدِي بَعْدَ زَوَاجِهِنَّ، قَالَ لَهُمْ وَالِدِي صَرَاحَةً: (الْفُلُوسْ وَالذَّهَبْ الْمَوْجُودِينْ دُولْ بِتُوعْ أُخْتِكُمْ وَلِجِهَازِهَا، وَمَحَدِّشْ يِشِيلْ هَمِّ جِهَازِهَا)، وَذَلِكَ بِشَهَادَةِ وَالِدَتِي وَأَحَدِ إِخْوَتِي الْحَاضِرِينَ.
٤. وَقَدْ تَمَّ اسْتِخْدَامُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي تَجْهِيزِي لِلزَّوَاجِ.
ثَالِثًا: الشَّكُّ وَسُؤَالُ الأُمِّ:
١. بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنْ زَوَاجِي، دَخَلَنِي الشَّكُّ خَوْفًا مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَخَذْتُ مَا لَيْسَ حَقًّا لِي شَرْعًا، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الذَّهَبُ وَالْمَالُ جُزْءًا مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِي -رَحِمَهُ اللهُ-.
٢. وَلِأَقْطَعَ الشَّكَّ، سَأَلْتُ وَالِدَتِي عَنْ نِيَّةِ وَالِدِي عِنْدَ شِرَاءِ الذَّهَبِ، فَأَجَابَتْنِي جَوَابًا قَاطِعًا، وَحَلَفَتْ بِاللهِ أَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ تَمَامًا مِمَّا قَالَ، وَقَالَتْ: "الطَّاقِمْ دَهْ مِتْشَالْ لِجِهَازِهَا، احْتَاجَتْهُ فِي جِهَازِهَا احْتَاجَتْهُ، مَا احْتَاجَتْهُوشْ، يِبْقَى دَهْ هَدِيَّةٌ مِنِّي لِيهَا، تَاخُدُهُ فِي بَيْتِهَا وَفِي شَبْكَتِهَا."
٣. وَأُؤَكِّدُ أَنَّ وَالِدَتِي بِكَامِلِ قُوَاهَا الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا تُعَانِي مِنْ أَيِّ أَمْرَاضٍ، وَقَدْ أَكَّدَتْ لِي هَذِهِ الْمَعْلُومَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. وَإِنَّمَا كَانَ شَكِّي مَحْضَ حِرْصٍ زَائِدٍ عَلَى التَّأَكُّدِ، لِخَوْفِي مِنَ النِّسْيَانِ مَعَ كِبَرِ السِّنِّ.
---
السُّؤَالُ الرَّئِيسِيُّ:
بِنَاءً عَلَى تَسَلْسُلِ الأَحْدَاثِ، وَتَصَرُّفَاتِ وَالِدِي، وَتَصْرِيحَاتِهِ الْعَلَنِيَّةِ فِي حَيَاتِهِ (مِثْلَ إِقْرَارِهِ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْمَالَ لِي أَمَامَ بَعْضِ إِخْوَتِي، وَأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ: أَمَامَ عَمِّي وَأَوْلَادِهِ، وَقَوْلِهِ إِنَّ طَاقِمَ الذَّهَبِ لِي، وَلَمْ يَرْبِطْهُ بِالْجِهَازِ، وَسَمَاحِهِ لِي بِارْتِدَائِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِحُرِّيَّةٍ)،
فَهَلْ يُعْتَبَرُ هَذَا الطَّاقِمُ الذَّهَبِيُّ مُلْكًا خَالِصًا لِي كَهِبَةٍ تَامَّةٍ، وَمُنْفَصِلًا عَنِ التَّرِكَةِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ نَعْتَمِدْ عَلَى شَهَادَةِ وَالِدَتِي الأَخِيرَةِ؟
وَهَلْ تَدْخُلُ هَذِهِ الأَمْوَالُ الَّتِي أَعْطَاهَا وَالِدِي لِوَالِدَتِي بِنِيَّةِ تَجْهِيزِي، فِي التَّرِكَةِ أَيْضًا، أَمْ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ لِي بِمُجَرَّدِ نَقْلِ الْمِلْكِ وَتَحْدِيدِ الْقَصْدِ؟
أُرِيدُ أَنْ أُبَرِّئَ ذِمَّتِي أَمَامَ اللهِ، وَأَتَأَكَّدَ أَنِّي لَمْ آخُذْ حَقًّا لِغَيْرِي مِنْ إِخْوَتِي.
وَجَزَاكُمُ اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ.