وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
سؤالك عميق ومهم، ويدل على تفكير وتأمل في مسألة الرضا بالقدر، وخاصة في الأمور التي تتعلق بالكفر والمعصية.
دعيني أشرح الأمر بهدوء وتفصيل:
أولاً: الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان
النبي ﷺ قال:
أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"
متفق عليه.
فنحن نؤمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، سواء كان خيرًا أو شرًا، طاعة أو معصية، كفرًا أو إيمانًا.
ثانيًا: هل يجب الرضا بالكفر إذا قُدّر على الإنسان؟
هنا نُفرق بين نوعين من الرضا:
1. الرضا بالمقدور من حيث أنه صادر عن الله
هذا واجب.
يعني: أن نرضى بأن الله هو الذي قَدَّر الأمور، وأنه لا يقع شيء إلا بعلمه ومشيئته، وحكمته وعدله.
فنقول: "نرضى عن الله، ولا نعترض عليه أبدًا"، حتى لو وقع كفر أو معصية في الكون، فإننا نعلم أن الله لا يظلم أحدًا، وأن له في ذلك حكمة.
2. الرضا بالكفر أو المعصية نفسها
هذا لا يجوز.
لا يجوز للمؤمن أن يرضى بفعل الكفر، أو أن يحب الكفر، أو يبرر وقوعه، حتى لو وقع بقدر الله.
بل يجب أن يبغض الكفر والمعاصي، ولا يرضى بها أبدًا، ولو وقع فيها بنفسه، عليه أن يتوب ويندم، لا أن يرضى.
مثال يوضح المسألة:
لو أن شخصًا وقع في الكفر (والعياذ بالله)، ثم قال:
"هذا قدري، وسأرضى به، ولن أرجع أو أتوب"
→ هذا حرام وكفر جديد، لأنه رضي بالكفر وترك التوبة، واحتج بالقدر على المعصية.
أما إذا قال:
"وقعت في الكفر، وأعلم أن هذا بقضاء الله، لكني أكره ما فعلت وأتوب إلى الله وأستغفره"
فهذا مؤمن تائب، وهو مأجور على توبته وندمه.
✦ الله قدّر الكفر ولكن لم يُرِدْهُ لعباده دينيًا:
قال الله تعالى:
"ولا يرضى لعباده الكفر" [الزمر: 7]
فهو قد قدّر الكفر، وخلقه لحكمة، لكنه لا يحبه، ولا يرضاه لعباده، ولا يأمر به أبدًا.
✦ خلاصة الجواب:
نعم، يجب أن نرضى بأن الله هو الذي قدّر كل شيء، حتى الكفر، لأنه لا يقع في ملكه شيء إلا بعلمه وحكمته.
لكن لا يجوز أن نرضى بالكفر نفسه، أو نقبله لأنفسنا، بل يجب أن نكرهه، ونتوب منه لو وقع.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.