وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله أما بعد.
أخي الكريم،هذه المسألة راجعة إلى مسألة، اعتبار حق التأليف، واختلف العلماء المعاصرون فذهبوا في اتجاهين ذكرهما الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله في كتابه"موسوعة الفقه الإسلامي"
ملخصه: العلماء في ذلك على قسمين،
القسم الأول:أن من اعتبر حق التأليف، فلايجوز لك أن تنسخ جزءا من الكتاب ولا أن تغير فيه،
وأما القسم الثاني: ذهبوا إلى جواز الإنتفاع من ذلك النتاج الفكري بشروط، ألا يغير فيه، وألا يعدل عن الفكرة التي قصدها المؤلف، ولامانع من الاستفادة من كلماته، وأسلوبه، وطريقته، بشرط أن ينسبها لصاحبها.
بات من المسلَّم به أن الفقه الإسلامي بأصوله وجزئياته يحث على المعرفة وضرورة التزود بهما، وهذا الأمر من الأصول التشريعية التي قام عليها الدين الاسلامي، وقد أكدت هذا الأمر الآية الكريمة ((ُقلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) ومن الأحاديث النبوية الشريفة، ومع هذا فقد ظلت حقوق الابتكارـ النتاج الفكري ـ بعيدة عن البحث والتحليل المعمق فترة طويلة من الزمن، إلا أنه وأمام انتشار الطباعة والنشر وازدهار صناعة التآليف والترجمة في المجتمعات الانسانية ،كان لابد لفقهاء الشريعة وعلمائها من الوقوف والتصدي لتحليل هذه الحقوق وتحديد موقف الشريعة منها، على اعتبار قواعدها مرنة التطبيق تصلح لكل زمان ومقام بحيث إنها قادرة على معالجة أمور ومستجدات لم تكن موجودة من قبل ، وعلى هذا الأساس أخذ المحدثون من العلماء بتحديد مركز هذه الحقوق وتحليل عناصرها فتولدت عن هذه الدراسات جملة من الآراء والإتجاهات، نحاول عرضها في إتجاهين: أحدهما يرفض الانتفاع بهذا النوع من الحقوق، والآخر مؤيد لها ولكل منهما أدلته وسنده . ولابد لنا من القول في هذا المقام، بأن الفقهاء المسلمين أجمعوا على وجوب نسبة الابتكار الى من أنتجه إعترافا له بحقه الأدبي ،الذي يعدُّ عندهم من أصول طلب العلم المتجسد بالأمانة العلمية في التخريج وتحريم السرقات و إنتحال النصوص وهذه الأمور من دواعي الكيان الشخصي للمسلم والذي أوجبت الشريعة صيانته والحفاظ عليه،فالاختلاف بين الفقهاء المسلمين دار حول إمكانية المؤلف أو المترجم من الانتفاع ماليا بما أنتجه فكرة وفي هذا الاطار فقد وجد إتجاهين لتحديد مركز هذا الحق وطبيعته، وسنوضح ذلك.
البند الاول:
الاتجاه الرافض:
ذهب هذا الاتجاه الى عدم اعتبار هذا الحق من الحقوق المالية وبالتالي عدم شرعية المردود المالي له، فقد حرم هذا الاتجاه الانتفاع بهذا النوع من الحقوق، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى الأدلة الآتية ومنها.
1.الدليل الاول : عدم كتمان العلم
يُستمد هذا الدليل من القران الكريم والسنة النبوية الشريفة فقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أما السنة النبوية الشريفة، فيقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه ابو هريرة ( ومن كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)أخرجه ابن ماجه، وصفوة القول من هذين الدليلين أن في حقوق الابتكار كتماناً وحرماناً المسلمين من الانتفاع منها فالمؤلف قد يحبس مصنفه عن الانتشار والذيوع إذا لم يحصل على نفع مادي، ويضيف أصحاب هذا القول بأن حقوق الابتكارـ التاليف- ظهرت في العهود القريبة فأخذ الناس يتسارعون الى عدم نشرها مالم يحصلوا على النفع المالي منها وفي هذا كتمان للعلم ونشره ،وبالتالي حرمان المسلمين منه، ونشره فريضة وواجب على كل مسلم.
الاتجاه المؤيد*
يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى إعتبار هذه الحقوق بمثابة المال فجوزوا المعاوضه والانتفاع منه شرعا وأدلتهم في ذلك :-
1.الدليل الاول : إعتبار حقوق التأليف والترجمة من المنافع
اعتبروا حقوق الابتكارـ التاليف والترجمة ـ من المنافع وهي عند الجمهور الفقهاء ، تعتبر أصولا وبالتالي يجوز المعاوضه عنها فهي مال بالنسبه لهم ،فهذا النوع من النتاج الذهني يعود بمنافع ملموسة على المجتمع كافة وعلى الفرد المسلم بوجه الخصوص، فالمؤلف بنتاجه يحقق منفعة للقاري بزيادة معرفته واطلاعه على أفكار ومعارف جديدة وبالتالي توعيته وسدّ حاجاته وإشباع رغباته بالتعلم، فقد أجاز الجمهور بيع المنافع، فهم لا يشترطون في البيع أن يكون عينا معينةً ،وهذا الأمر متحقق في حقوق الابتكار، فهو صورة ذهنية ومعاني مجردة مستمدة من العقل البشري ،وهي لا تقوم بنفسها ولا يمكن الاستدلال بها حسياً إلا بعد إضافتها إلى مصدرها الذي تجسد في مصنف ما، فالانفصال عن صاحبه واستقلال له في شكل مادي يمكن الاستعاضة عنه والانتفاع به ماديا ،فتصبح بذلك من الحقوق العينية التي تقابل الحقوق الشخصية مع احتفاظها بوصف المال المعنوي المتميز بخاصية واهمية مستمدة من طبيعته .
2. الدليل الثاني : الاعتماد على العرف
جريان العرف على اعتبار هذه الحقوق والانتفاع بها ، فللعرف بالغ الأثر في قيام القواعد الشرعية والقانونية على حد سواء، وهو يقضي بأن من حق صاحب الابتكار الانتفاع بما أنتجه، وهو من الأدلة الشرعية المستقرة عند الفقهاء المسلمين وإليه يرجع الحكم في كثير من المسائل الفرعية ،ويذهب ابن عابدين بالقول:(( والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم يدار)) ،وللحكم بالعرف واستقراه لابد من عدم مخالفته لنص شرعي وأن يكون مستقراً ومطردا بين الناس، ومعمولا به ،وأن لا توجد قاعدة أو نص يقضي بعدم اتباعه . واستنادا إلى هذا، فحقوق الابتكار بموجب هذا التخريج لا تخالف نصا شرعيا بل هو من قبيل الأعمال التي جرى عليها الاطراد والاتباع بين الناس، ثم إن فيها منفعه ومصلحة للمجتمع عامة وللفرد والمسلم خاصية ،وقد لاقى على هذا الأساس ترحاباً عالمياً وهذا ما أكدته التشريعات العالمية بسنها القوانين الكفلية بحماية هذا النوع من الحقوق.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.