خلاف العلماء رحمة، ولا يعني أن أحدهم خطأ والآخر على صواب بل جميعهم على صواب، ولا مانع شرعًا في تقليد أي مذهب من المذاهب الأربعة، ولا يعقل شرعا ولا طبعا أن يفرض على جميع المكلفين التخصص في كل المجالات لتلبية حاجاتهم إليها وإلا كان تكليفا بما لا يطاق، والله تعالى يقول:{لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ولهذا وجب «الاجتهاد والإفتاء» على بعض المسلمين وخاصتهم وهم أهل الذكر وأهل صناعة الفقه، ووجب «التقليد والاستفتاء» على الباقين وهم عامة المسلمين، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وفي الحديث الشريف عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ». [رواه أبو داود]. فدل الحديث على أن من لم يستطع أن يعلم بنفسه حكم الشرع فيما يفعله أو ينسبه للشرع وجب عليه سؤال أهل العلم والاختصاص.
ويقول الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه الفصول في الأصول [4/ 281 - 282، ط. وزارة الأوقاف الكويتية]: «إذا ابتلي العامي الذي ليس من أهل الاجتهاد بنازلة، فعليه مساءلة أهل العلم عنها؛ وذلك لقول الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]. فأمر من لا يعلم بقبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم من النوازل، وعلى ذلك نصت الأمة من لدن الصدر الأول ثم التابعين إلى يومنا هذا، إنما يفزع العامة إلى علمائها في حوادث أمر دينها. ويدل على ذلك أيضا: أن العامي لا يخلو عند بلواه بالحادثة من أن يكون مأمورا بإهمال أمرها، وترك المسألة عنها، وترك أمره على ما كان عليه قبل حدوثها، وأن يتعلم حتى يصير من حدود من يجوز له الاجتهاد، ثم يمضي بما يؤديه إليه اجتهاده، أو يسأل غيره من أهل العلم بذلك، ثم يعمل على فتياه، ويلزمه قبولها منه. وغير جائز للعامي إهمال أمر الحادثة، ولا الإعراض عنها وترك الأمر على ما كان عليه قبل حدوثها؛ لأنه مكلف لأحكام الله تعالى الثابت منها بالنص وبالدليل، ولأنه لا يعلم بوجوب تركها على ما كان عليه قبل حدوثها، إذا كان ذلك سببا مختلفا فيه بين أهل العلم، وإنما يصار إلى معرفة الحق فيه من جهة النظر والاستدلال، وليس معرفة ذلك في طوق العامي. وغير جائز أيضا أن يقال: إن عليه أن يتعلم الأصول وطرق الاجتهاد والمقاييس حتى يصير في حد من يجوز له الاستنباط؛ لأن ذلك ليس في وسعه، وعسى أن ينفد عمره قبل بلوغ هذه الحالة.
وقد يكون المبتلى بالحادثة غلاما في أول حال بلوغه، وامرأة رأت دما شكت في أنه حيض أو ليس بحيض، وقد حضرهما وقت إمضاء الحكم حيث لا يسع تأخيره، فثبت أن عليه مسألة أهل العلم بذلك وقبول قولهم فيه» اهـ.
ولا يجب على العوام تقليد مجتهد بعينه، ولا التزام مذهبه في كل الفروع الفقهية على الراجح من أقوال أهل العلم كما رجحه النووي وصححه الزركشي وغيرهما من فطاحل العلماء، فلا بأس بتقليد أحد الأئمة الأربعة. قال الإمام عز الدين بن عبد السلام في فتاويه [ص122، ط. دار المعرفة- بيروت]: «يجوز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، ويجوز لكل واحد أن يقلد واحدًا منهم في مسألة، ويقلد إمامًا آخر منهم في مسألة أخرى، ولا يتعين عليه تقليد واحد بعينه في كل المسائل، ولا يجوز تتبع الرخص، والله أعلم وأحكم، وألطف وأرحم» اهـ. وقال العلامة الزركشي في البحر المحيط [8/ 374 - 375، ط. دار الكتبي]: «مسألة: هل يجب على العامي التزام تقليد معين في كل واقعة؟ فيه وجهان، قال إلكيا: يلزمه. وقال ابن برهان: لا، ورجحه النووي في أوائل القضاء وهو الصحيح، فإن صحابة -رضوان الله عليهم- لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد. وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك، فمنعه مالك واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها، فلم ير الحجر على الناس، وربما نودي: «لا يفتي أحد ومالك بالمدينة». قال ابن المنير: وهو عندي محمول على أن المراد: لا يفتي أحد حتى يشهد له مالك بالأهلية. وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد، فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل على مذهبك فيحرجوا، دعهم يترخصوا بمذاهب الناس. وسئل عن مسألة من الطلاق فقال: يقع يقع، فقال له القائل: فإن أفتاني أحد أنه لا يقع، يجوز؟ قال: نعم ودله على حلقة المدنيين في الرصافة. فقال: إن أفتوني جاز؟ قال: نعم. وقد كان السلف يقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة، وقد قال النبي الصلاة والسلام عليه: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه» ..... وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أن مذهب عامة أصحابنا أن العامي لا مذهب له» اهـ.
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار [4/ 80، ط. دار الكتب العلمية]: «مطلب العامي لا مذهب له، قلت: وأيضا قالوا: العامي لا مذهب له، بل مذهبه مذهب مفتيه، وعلله في شرح التحرير بأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما غيره ممن قال: أنا حنفي أو شافعي، لم يصر كذلك بمجرد القول كقوله: أنا فقيه أو نحوي. اهـ وتقدم تمام ذلك في المقدمة أول هذا الشرح» اهـ. ونقل في أول الشرح عن الشرنبلالي قوله [1/ 75]: «ثم قال بعد ذكر فروع من أهل المذهب صريحة بالجواز وكلام طويل: فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدا فيه غير إمامه مستجمعا شروطه ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض. وقال أيضا: إن له التقليد بعد العمل كما إذا صلى ظانا صحتها على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة على ما قال في البزازية: إنه روي عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلا من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» اهـ.
وعلى الراجح أيضا أنه لا يجوز للعوام تتبع رخص المجتهدين واختيار أخف الأقوال من كل مذهب في حالة القصد للتلاعب والتحايل وطلب التخلص من أحكام الشريعة.
والحاصل أن هناك فرقا بين تعلم المذهب الفقهي وبين العمل به:
فمن جهة العمل: التزام مذهب معين ليس واجبًا على العامي في كل واقعة، بل له أن يأخذ بقول أي مجتهد شاء، وهذا هو القول الصحيح؛ ولذلك اشتهر قولهم: "العامي لا مذهب له، بل مذهبه مذهب مفتيه"، أي: المعروف بالعلم والعدالة.
بل إن هذا هو الصحيح عند السادة الحنفية؛ فقد نقل ابن عابدين في حاشيته (1/ 75) عن الشرنبلالي قوله: "ليس على الإنسان التزامُ مذهب معين, وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَض"اهـ.
ويؤيد ذلك أن الله تعالى قد أوجب اتباع العلماء من غير تخصيص بعالم دون آخر؛ إذ قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، والمستفتون في عصر الصحابة والتابعين لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين، بل كانوا يسألون مَن تهيأ لهم دون تقيُّد بواحد دون آخر، ولم ينكر عليهم أحد، واتباع المقلِّد لمن شاء من المجتهدين هو اتباع للحق؛ فإن جميع الأئمة على حقًّ بمعنى أن الواحد ليس عليه إلا أن يسير حسب ما هداه إليه اجتهاده، ولا ينبغي للمقلد أن يتصوَّر وهو يختار اتباع واحد منهم أن الآخرين على خطأ.
وأما من جهة التعلم فاتباع المذاهب في إطار الدراسة والتفقه مما لا فكاك منه ولا بديل عنه؛ لأن هذه المذاهب الفقهية الأربعة المتبعة قد خُدِمت خدمة لم تتوفر لغيرها فاعتني بنقلها وتحريرها ومعرفة الراجح فيها والاستدلال لها وترجم لأئمتها بما جعل كل واحدة منها مدرسة مستقلة لها أصول معلومة وفروع محررة يتحتم على من أراد التفقه في الدين أن يسلك أحدها متعلمًا ودارسًا ومتدربًا، فتكون بدايته هو من حيث انتهوا هم، والله تعالى أعلم.
هذا ما تم الرد علي به من قبل داء الافتاء المصرية بارك الله فيهم و جزاهم خيرا باذن الله