الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
أولاً: مايقوم به الإخوة الأتراك من الأذكار والجهر بها وقراءة أواخر سورتي الحسر والبقرة ليس من البدع المنكرة وهو من الأمور الجائزة الحسنة التي ترجع في أصلها إلى السنة، فقد ورد في السنة ما يدل على الجهر بالذكر عقب الصلاة، فروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما [كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ]، وفي لفظ [كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّكْبِيرِ]. وروى النسائي في سننه من حديث أُبَيِّ بن كعب وعبد الرحمن بن أَبْزَى رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الوتر بـ سبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، فإذا سلّم قال [سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ] ثلاثَ مرات ، زاد عبد الرحمن في حديثه: يرفع بها صوته، وفي رواية: يرفع صوته بالثالثة.
وذكر الإمام النووي رحمه الله هذه المسألة منتصرا لمشروعيتها فقال في كتابه "المجموع شرح المهذب" ج3 ص 469 ما نصه:
"(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحْبَابَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَقِبَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ تَخْصِيصِ دُعَاءِ الْإِمَامِ بِصَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ: إنْ كَانَتْ صَلَاةً لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالصُّبْحِ وَالْعَصْرِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ وَدَعَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَيُخْتَارُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَنْزِلِهِ،
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّخْصِيصِ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ فَيَدْعُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ". اهـ
وفي معجم الطبراني 4/21: "عن أبي هبيرة عن حبيب بن مسلمة الفهري - وكان مستجابا - أنه أمر على جيش فدرب الدروب، فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن سائرهم إلا أجابهم الله " . اه قال في مجمع الزوائد 10/266: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث" اه
ممن قال بالجواز المطلق منصور البهوتي الحنبلي كما في كتابه (كشاف القناع) ووردت فتاوى لبعض علماء المالكية كذلك ذكرها الإمام الونشريسي في كتابه (المعيار)، ولا سيما إذا أراد الإمام تعليم المأمومين بأن الدعاء مشروع بعد الصلاة فيجهر بذلك ويبسط يديه كما قال الإمام الشافعي في كتابه الأم، ونستأنس لذلك بما ورد عن الصحابي الجليل حبيب بن مسلمة الفهري، وكان مجاب الدعوة قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول [لا يجتمع ملأ، فيدعو بعضهم، ويؤمن البعض، إلا أجابهم الله]. رواه الحاكم.
وفي كشاف القناع 1/367: "ويدعو" الإمام "بعد فجر وعصر لحضور الملائكة" أي ملائكة الليل والنهار "فيهما فيؤمنون" على الدعاء فيكون أقرب للإجابة "وكذا" يدعو بعد "غيرهما من الصلوات" لأن من أوقات الإجابة: إدبار المكتوبات" اه
ومثله في مطالب أولي النهى 1/471
وقال العلامة الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح:"لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة /114].
فقد أرشد كثير من العلماء إلى استحباب الدعاء بعد الصلاة المكتوبة في مصنفاتهم منهم الذين سبق ذكرهم وهم البخاري في جامعه وابن حجر في شرحه لصحيح البخاري والإمام ابن الجزري الدمشقي في كتابه (عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين) ومنهم الإمام النووي في كتابه (الأذكار) وكتابه (المجموع شرح المهذب) وقد قال فيه: "فرع قد ذكرنا استحباب الذكر والدعاء للإمام والمأموم والمنفرد وهو مستحب عقب كل الصلوات بلا خلاف" ، فتأملوا رحمكم الله في قوله بلا خلاف .
ثانياً: لا بد أن يحذر المؤمن من أمراض القلب ونجاسته المعنوية فالرياء والعُجب والكبر ونحوه كلها نجاسات باطنية يجب التطهر منها والحذر من الوقوع فيه والإمامة مسؤولية وليست شرف ولا فضيلة لمن وُكّل بها/..
قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى:
فإن اضطُّر الرجلُ إلى أن يكون إمامًا في الصلاة فلْيحذَر من أن يجِد في نفسه شَرفًا على مَن خَلفَه؛ بل يتقدَّم لأنهم قدَّموه بغير اختياره:
- إما لكونه أميرًا، أو قد تعيَّنت عليه الإمامة من حيث الرُّتبة لا من حيث استشعاره لصلاحه في نفسه.
- وإما لكونه إمامَ نساء لا يُمكِنُه من حيث الشرع أن يكون مأموما لهن.
- وإما لأن المأمومين قدَّموه عليهم فتقدَّم امتثالا لأمرهم، أو إقامةً لسنة الإمامة أو فرضِ الكفاية.
مع انكساره في نفسه، وعدم رؤيةٍ لفضلٍ له على مَن خلفَه، والله أعلم. وعليك بمراجعة هذه الفتوى فيما يتعلق بالعجب والرياء
28428.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.