بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
يذكر أكثر الفقهاء - كما نص على ذلك المالكية والشافعية والحنابلة - أنه يُشترط لصحة التوبة من المعاصي بشكل عام، سواء كانت متعلقة بحقوق الله تعالى، أو متعلقة بحقوق العباد، وسواء كانت قولية أو غير قولية ثلاثة شروط مشتركة وهي:
1- الإقلاع عنها 2- والندم عليها 3- والعزم على أن لا يعود لها.
ثم إذا كانت المعصية متعلقة بحقوق العباد: فإن الفقهاء يفرقون بين أن تكون المعصية قولية وبين أن تكون غير قولية:
فإن كانت قولية كالقذف وشهادة الزور، فيشترط لصحة التوبة منها إضافة إلى الشروط الثلاثة المتقدمة؛ الإقرار ببطلان ما تكلم به، فيقول القاذف مثلاً: كان قذفي باطلاً، أو كذبت فيما قلت، كما نص على ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، ولم يشترط ذلك المالكية.
كما يُشترط إعلام واستحلال صاحب الحق بهذه الجرائم عند الشافعية والمالكية، إلا إن تعذر إعلامه لموته، أو تعسر لغَيبةٍ طويلة.
وقد استثنى الشافعية جريمة الغيبة - وهي أن يذكر الإنسان أخاه بما يكره – فلا يشترط استحلال المغتاب إذا لم تبلغه الغيبة، ويُكتفى بالاستغفار له، بخلاف ما لو بلغته فيجب عليه الاستحلال منه.
وقال بعض الحنفية: إذا تاب مرتكب الغيبة قبل بلوغ الغيبة إلى المغتاب، فتصح توبته بلا استحلال منه، حتى ولو بلغت الغيبة إلى المغتاب فيما بعد. وقال بعض آخر منهم: تبقى توبته معلقة؛ فإن مات المغتاب قبل بلوغها إليه فتوبة مرتكب الغيبة صحيحة، وإن بلغته قبل موته فلا بد من الاستحلال منه.
وقد اختلفت آراء الحنابلة في إعلام صاحب الحق لصحة التوبة من قذف وغيبة ونحوهما كنميمة وشتم، والراجح عندهم عدم الاشتراط، ويُكتفى بالدعاء للمعتدى عليه، لأن في إعلامه إدخال الهم والحزن إليه وزيادة إيذائه، وألحق الحنابلة في الغيبة ونحوها من حيث الإعلام وعدمه الزنا بأهل الرجل.
وإن كانت المعصية فعلية غير قولية: كالجناية على النفس وما دونها، فإن كانت الجريمة توجب حقاً بدنياً للمجني عليه، فيجب على الجاني تمكين نفسه من المستحِق، وإذا كانت الجناية على النفس وما دونها توجب القصاص فيجب على الجاني تمكين نفسه من المجني عليه أو وليه لاستيفاء القصاص أو تحصيل العفو.
وبناء على ذلك فإن كان المستحِق يجهل الجاني الذي يتعلق به هذا الحق، فيجب عليه إعلامه بحقه، فيقول الجاني على النفس مثلاً: أنا الذي قتلت أباك فاقتص إن شئت.
وأما إن كانت المعصية توجب حقاً مالياً، كالمال المسروق أو المغصوب أوالدية أو الأرش إن كانت الجناية على النفس وما دونها خطأ أو شبه عمد، فالمطلوب شرعاً من التائب دفع أو رد المال إلى المعتدى عليه.
ومع اتفاق العلماء على وجوب رد حقوق الآدميين أو تبرئة الذمة منها، إلا أنهم اختلفوا في اعتبار تبرئة الذمة منها جميعاً شرطاً في صحة التوبة إضافة إلى الشروط الثلاثة المتقدمة، وهي: (1- الإقلاع عنها 2- والندم عليها 3- والعزم على أن لا يعود لها):
وقد حقق بعض العلماء أن تبرئة الذمة من حقوق العباد إنما هو شرط فقط في صحة التوبة من المعصية التي تاب منها؛ لأن شرط التوبة في الإقلاع عن المعصية لا يتحقق مع استدامة يده عليه ظلماً، فلا بد من رده لمستحقه لصحة التوبة.
ولكن حتى لو قيل بعدم اعتبار رد مظالم العباد أو تبرئة الذمة منها شرطاً في صحة وحقيقة التوبة، فإن عدم رد المظالم أو البراءة منها، يعد جريمة في حد ذاته ويحتاج إلى توبة، إذ لا خلاف بين العلماء في وجوب رد المال المأخوذ إلى صاحبه إن كان موجوداً وإلا وجب ضمان مثله أو قيمته، فيُلزم العاصي برد المال المسروق، كما يلزم بدفع الدية أو الأرش لمستحقه.
يُستدل لذلك بالنصوص العامة التي تأمر برد الحقوق إلى أصحابها، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فلْيتحلّلْه منها، فإنه ليس ثَمّ دينارٌ ولا درهمٌ مِن قبلِ أن يُؤخذَ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات أخيه فطُرحت عليه) أخرجه البخاري
والتحلل من الجرائم والمظالم يقتضي إعلام صاحب الحق بحقه والإقرار به أمامه، وطلب السماح منه، ورده إن طالب به فيما لو كان حقاً مالياً، والتمكين منه فيما لو كان بدنياً.