وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد أخي الكريم : فقد قال ابن الجوزي في تفسير قَوْلُهُ تَعالى: (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ)
وفي مَعْنى هَذا الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ، وفِيهِمْ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ
والثّانِي: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يُلَبُّونَ ويَقُولُونَ: غُفْرانَكَ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ اسْتِغْفارَ المُشْرِكِ لا أثَرَ لَهُ في القَبُولِ.
والثّالِثُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وهُمْ- يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ- يَسْتَغْفِرُونَ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وُصِفُوا بِصِفَةِ بَعْضِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَأُوقَعَ العُمُومَ عَلى الخُصُوصِ، كَما يُقالُ: قَتَلَ أهْلُ المَسْجِدِ رَجُلًا، وأخَذَ أهْلُ البَصْرَةِ فَلانًا، ولَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ.
والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وفي أصْلابِهِمْ مَن يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ مَعْنى تَعْذِيبِهِمْ: إهْلاكُهُمْ؛ فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَهم، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ لَهم أوْلادٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ؛ فَوَصَفَهم بِصِفَةِ ذَرارِيهِمْ، وغَلَبُوا عَلَيْهِمْ كَما غَلَبَ بَعْضُهم عَلى كُلِّهِمْ في الجَوابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَما عَذَّبَهُمُ اللهُ، ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَغْفِرُوا فاسْتَحَقُّوا العَذابَ؛ وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: ما كُنْتَ لِأُهِينَكَ وأنْتَ تُكْرِمُنِي؛ يُرِيدُونَ: ما كُنْتُ لِأُهِينَكَ لَوْ أكْرَمْتَنِي؛ فَأمّا إذا لَسْتَ تُكْرِمُنِي، فَإنَّكَ مُسْتَحِقٌّ لِإهانَتِي، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهو اخْتِيارُ اللُّغَوِيِّينَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذا الِاسْتِغْفارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الِاسْتِغْفارُ المَعْرُوفُ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيح عَنْ مُجاهِدٌ وبِهِ قالَ عِكْرِمَة.