وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد أخي الكريم :
أولا وقبل الكلام عن المغفرة بادر في ترك هذا الذنب فإنه قد أصبح كبيرة بإصرارك عليه، واستسهالك له..
وأذكرك بأمرين خطيرين:
الأول أن البصر نعمة من الله. وهذه النعمة شكرها بصونها ، وكفرها بالنظر إلى الحرام. وربنا يقول: ((وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَىِٕن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَىِٕن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی لَشَدِیدࣱ))
فاحذر من أن تسلب هذه النعمة.
الثاني : أذكرك بأن الموت يأتي فجأة، وانظر حولك كم من إنسان مات فجأة، وملك الموت لا يشاور أحدا ولا يخبره بموعد موته، وكم من إنسان مات على معصية ، وسيحشر عليها.
ومن مات على طاعة سيحشر عليها.
فاحذر أخي أن تموت على هذه الحال فتحشر عليها، ولا يغرنك أنك شاب فالموت في الشباب اكثر من الموت في العجائز، والدليل انظر أبناء السبعين كم عددهم في حيك أو بلدتك، وقارنهم بالشباب ليظهر لك أن معظم أبناء جيلهم قد ماتوا في مراحل العمر الأولى صغارا وشبابا.
ونحن لا نريدك أن تيأس من روح الله وكرمه. معاذ الله، ولكن نريد منك الحذر وعدم اللامبالاة.
واما شروط التوبة الصحيحة فهي:
الإقلاع عن الذنب.
الندم على ما فات.
العزم على عدم العودة إليه.
وإذا كانت التوبة من مظالم العباد في مال أو عرض أو نفس، فتزيد شرطا رابعا، هو:
التحلل من صاحب الحق، أو إعطاؤه حقه.
وقد أمر الله تعالى عباده بالتوبة النصوح، فقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ التحريم/8
قال البغوي رحمه الله: " وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنى التوبة النصوحة:
قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ نَادِمًا عَلَى مَا مَضَى؛ مُجْمِعًا عَلَى أَلَّا يَعُودَ فِيهِ .
قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ، وَيَنْدَمَ بِالْقَلْبِ، وَيُمْسِكَ بِالْبَدَنِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: تَوْبَةً تَنْصَحُونَ بِهَا أَنْفُسَكُمْ.
قَالَ الْقُرَظِيُّ: يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالْإِقْلَاعُ بِالْأَبْدَانِ، وَإِضْمَارُ تَرْكِ الْعَوْدِ بِالْجَنَانِ، وَمُهَاجَرَةُ سَيِّئِ الْإِخْوَانِ." انتهى، من "تفسير البغوي" (8/169)
واما مغفرة الذنوب فاعلم أن رب الأرباب لا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، لذلك يحب التوابين ويحب من عباده أن يعودوا إليه، وقد قال تعالى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) الزمر/53-55
وأقرأ تفسير هذه الآية في كتب التفسير لتعلم كرم الله وجوده وعظيم مغفرته لعباده.
اخيرا ابشرك بهذا الحديث العظيم : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي .
غريب الحديث
عنان السماء: وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها.
قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.
إنك ما دعوتني ورجوتني: أي ما دمت تدعوني وترجوني.
ولا أبالي: أي إنه لا تعظم علي مغفرة ذنوبك وإن كانت كبيرة وكثيرة.
وأسأل الله لي ولك توبة نصوحة ومغفرة لذنوبنا جميعا .