وعليكم السلام ورحمه الله تعالى وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد
سأذكر لكم بحثا مفصلا في حقوق التأليف والابتكار، وبعد ذلك سألخص البحث بكلمات نافعة إن شاء الله تعالى.
اختلف الفقهاء المعاصرون في تكييف حق الابتكار في الفقه الإسلامي على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن حق الابتكار هو حق عيني مقرر، وهو قول فتحي الدريني، وهبة الزحيلي، وعلي القره داغي، وبكر أبوزيد، وعجيل النشمي، والحق المقرر هو الحق المتعلق بمحله تعلق استقرار، ولتعلق هذا الحق بمحله أثر الحكم، بحيث لو تنازل صاحب الحق عن حقه فإن الحكم يتغير بذلك الإسقاط، سواءً أكان ملكاً في محل الحق كالنكاح، أم لم يكن ملكاً في المحل كالقصاص، فالقاتل مع قيام الحق غير معصوم الدم، بينما إذا تنازل صاحب الحق عن القصاص يصبح القاتل معصوم الدم. وكذا حق التأليف إذا تنازل عنه صاحبه صار مباحاً بعد أن كان حقاً مقصوراً على المؤلف.
وذلك لأن حق الابتكار منفعة نابعة من المؤلف فقد بذل المؤلف منافع ذهنه وجسده في استنباط العلوم النافعة، وقد انبثقت هذه المنافع عن مؤلفها وانفصلت عنه واستقرت في المصنف.
القول الثاني: أن حق الابتكار هو حق مجرد وهو قول أحمد الحجي الكردي، والحق المجرد هو حق غير متعلق بمحله أي أن التنازل عن هذا الحق لا يؤثر الحكم الأصلي كالشفعة، فإن تنازل الشفيع عن حقه في الشفعة لا يؤثر في الحكم الأصلي وهو بقاء الملك للمشتري، فهو لا يثبت في المحل قبل تملك الشفيع. والحقوق المجردة مشيئة وهي لا تقوم بمال عند الحنفية، لذا لا يجوز الاعتياض عنها بمال.
القول الثالث: أن حق الابتكار حق جديد ومستقل عن الحقوق المالية المعروفة، فهو لا يندرج تحت الحقوق العينية لأنه لا يرد على الأعيان، كما أنه لا يندرج تحت الحقوق الشخصية لأنه لا يفرض تكليفاً على شخص معين تلزمه القيام بعمل مُحدد، فهذا الحق يرد على أشياء غير مادية مما لا يندرج تحت الحقين السابقين وذهب إلى هذا القول مصطفى الزرقاءومحمد شبير.
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أن حق الابتكار حق عيني مقرر، لأن العلم منفعة كما نص عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، وعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"(سبق تخريجه)، وهذه المنفعة مستقلة عن المؤلف بدليل استمرارها بعد وفاته وحلولها في عين خاصة بها كالكتاب أو الاختراع.
والمنافع في الفقه الإسلامي عند جمهور الفقهاء أموال متقومة مملوكة، والملك نوع من الحقوق العينية، وعليه فإن حق الابتكار حق عيني مقرر، وهذا يعني أن الحق العيني في الفقه الإسلامي أوسع منه في القانون، فالحق العيني في الفقه الإسلامي يتضمن الأعيان، والمنافع والحقوق، في حين أن الحق العيني في القانون مقصور على الأعيان فقط.
جهدهم وحبس أنفسهم لتشجيعهم على التأليف.
5- القول بعدم مالية حق التأليف يؤدي غالباً إلى انقطاع العلماء عن التأليف، وهو مآل ممنوع شرعاً لما فيه من الإضرار بالمصالح الخاصة المتعلقة بحرمان العلماء من حقوقهم في أخذ العوض عن منافع أنفسهم، كما أن في عدم اعتبار مالية حق التأليف إضراراً بالمصلحة العامة وذلك بحرمان عامة الناس من الانتفاع بالمصنفات وما تحويه من علوم.
وبما أن الضرر مرفوع في الشرع عملاً بقاعدة (الضرر يزال)فلا بد إذن من اعتبار مالية حق التأليف.
ملخص هذا البحث، أن حقوق التأليف معتبرة شرعا، ولايجوز استعمالها من دون دفع الحقوق المترتبة، والأخذ دون دفع، أخذ بالباطل، وضياع هذه الحقوق من خلال أخذها دون دفع، يترتب عليه أذى على المجتمع، لأن ضياعه، يعود على الامة وليس فقط على الفرد.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله رب العالمين.