الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
(العملات المشفرة أو الرقمية) مثل البتكوين وغيرها.. هو من قبيل المعاملة مع الأوهام المفضي إلى الجهالة والغرر، ويترتَّب على تداولها من المفاسد وإضاعة الأموال، ويؤدي التعامل فيها لضياع حقوق كثير من الناس، وأكل أموالهم بالباطل. قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}. ولذلك لم تجز غالب دور الافتاء التعامل بها، لعدم معرفة ماهيتها هل هي سلعة أم منفعة أم هي أصل مالي استثماري أم أصل رقمي؟ وهل العملة المشفرة متقوّمة ومتموّلة شرعًا؟ فلأنه لا يوجد لها ضوابط ولا تغطية اقتصادية ملموسة، ليس لها وجود فيزيائي ولا حماية قانوية، ولا اعتماد مالي مركزي، ولا رقابة مالية، وتؤدي للخراب المالي، والبطالة عند الشباب، فهي عملات افتراضية مشفّرة يمكن هدْمها بأسرع ضغطة الكترونية.
لذلك قال أهل العلم:
لا تجوز المتاجرة بالعملاتِ الرقميَّة الافتراضية ولايجوز التعامل بها مالم تتحقق فيها الشروط المالية الموجودة للعملات الحقيقية المعروفة، فوجود الغرر والجهالة والغشِّ في مَصرِفها ومِعيارها وقيمتها ظاهر، مع ما فيها من مخاطرَ عاليةٍ على الأفراد والدُّول.
وأهم شرط لتكون عملة نقدية قانونا وشرعاً أن تعتمدها الدولة رسمياً؛ وهو ما يسميه الفقهاء بـ«سكِّ النقود».
جاء في الأحكام السلطانية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضَّرب، بإذن السلطان؛ لأنَّ الناس إن رُخِّص لهم ركبوا العظائم).
والبيتكوين ونحوها عملة رقميَّة افتراضيَّة وهميَّة لا وجود مادياً لها، ويتحكَّم بها أشخاص غير معروفين، ولا يمكن تعقُّبهم، ولا يوجد لها أصول ولا أرصدة حقيقيَّة، وليس لها ارتباط بالمؤسسات الماليَّة الرسميَّة ولا المصارف ونحوها، والجهالةُ تحيط بها من كلِّ جانب، فهي تعتمد على التشفير التام، والتعامل بها يسهِّل التجارات المحظورة، وغسيل الأموال، والتحويلات الماليَّة المشبوهة؛ والضرر ممنوع؛ ففي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
فلا يجوز التعامل بهذه العملة، والتكسُّب منها؛ لما فيها من الغرر الذي يُشبه غرر المقامرة المحرَّمة إجماعاً؛
ولو تخلَّى عنها من يروِّج لها ـ وهم غير معروفين ـ وأغلقوا مواقعهم، فإنَّ هذا سيُفقِدها قيمتَها، ويؤدِّي إلى تلفها، مما يؤدِّي إلى ضياح حقوق الناس الذين يتعاملون بها.
وإضافةً إلى ذلك: فإنَّ العملة الرقمية لا تتوفَّر فيها المعايير الشرعيَّة التي تجعل منها سِلعةً قابلةً للمقايضة بسِلَع أخرى، فالتعامل بها عواقِبُهُ وخيمةٌ، ونتائجُهُ غيرُ سليمة.
مع الإشارة إلى أنَّه إذا اعترفت بها الدول في المستقبل وأصبح لها تشريعات واضحة تحفظ حقوق المتعاملين بها وتزيل عنهم الإبهام والمخاطر المحيطة بها، فعندئذ يختلف حكم التعامل بها. وراجع الفتوى رقم:
19213 20969 والله تعالى أعلم.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. آمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.