الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
كلمة الحد والحجم لا يجوز إطلاقهما على الله ولا يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على ذلك، ويكفي الرد عليها قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4], وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]".
الله تعالى لا يشبه المخلوقات ولا يقاس عليها. ولا يجوز أن يشبّه الله بمخلوقاته ولذا لا يوصف بما توصف به الحوادث لأنه خالقها ومحدثها سبحانه وتعالى ولذا نقول: سبحان الله ..أي تنزه وتقدّس عن مشابهة المخلوقات ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك ونؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، دون الخوض بالمعاني التي توهم أو فيه تشبيه فقد قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
وقول سلف أهل السنة كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. وقولهم كما في العقيدة الطحاوية: [ ﺗﻌﺎﻟﻰ - الله -ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﻭﺍﻟﻐﺎﻳﺎﺕ، ﻭﺍﻷﺭﻛﺎﻥ ﻭﺍﻷﻋﻀﺎﺀ، والأدوات، لاﺗﺤﻮﻳﻪ ﺍﻟﺠهات ﺍﻟﺴﺖ ﻛﺴﺎﺋﺮ ﺍﻟﻤﺒﺘﺪعات]
فالحد والحجم وصف للمخلوق وصفة له وإذا كان له حد كامتحيزاً ومقهوراً وهو القائل: (وهو القاهر فوق عباده)
اما مجرد هذا التفكير والخاطر وردّه وعدم القبول به فلا يجعلك كافراً بشرط أن لا تسترسل معه أو تعتقد به
والشيطان يوسوس للمرء في حق ربه وحق صلاته ودينه ونبيه صلى الله عليه وسلم ليدفعه إلى القلق والاضطراب؛ ثم يسلب منه الذكر ويزجّه في الغفلة والغفلة باب المعاصي والانحراف نسأل الله أن يحفظنا وإياكم...
وتأمل هذا الحديث:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم. رواه البخاري ومسلم.
وكره العبد وخوفه ونفوره من هذه الخواطر والوساوس الشيطانية، علامة على صحة الاعتقاد وقوة الإيمان، فقد جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. رواه مسلم.
قال العلماء إن صريح الإيمان هو دفع الوسواس وليس وجوده وقالوا إن الشيطان يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكّد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك صريح الإيمان , و محض الإيمان ) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان , فإن استعظام هذا و شدة الخوف منه و من النطق به فضلاً عن اعتقاده ؛ إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً ، و انتفت عنه الريبة والشكوك ... و قيل : معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيِسَ من إغوائه فيُنَكِّدُ عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه , و أما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء و لا يقتصر في حقه على الوسوسة ، بل يتلاعب به كيف أراد . فعلى هذا معنى الحديث : سببُ الوسوسة محضُ الإيمان , أو : الوسوسة علامةُ محض الإيمان . و هذا القول اختيار القاضي عياض .اهـ . مختصرا من شرح صحيح الإمام مسلم رحمه الله 130/1
بناء على ذلك إذا جاء الخواطر فلا تسترسل معها ولا تلتفت، وبذلك لا تضرك ولا تحاسب عليها بشرط عدم الاسترسال معها، وإذا يوجد عندك شبهة أو تردد في مسألة فلا بد أن تسأل عنها لتزول بالعلم.
هذا والله أعلم وأحكم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.