الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
الأفضل للمستطيع صيام داوود عليه السلام، إلا أن الأفضل أن يصوم المؤمن القادر أيام البيض وايام الاثنين والخميس حتى لا يبغّض لنفسه عبادة الله تعالى، وهذا أقدر له على الاستمرار، وأبعد له عن السآمة. ولذلك لما استأذن سيدنا عبد الله ابن عمرو الصيام للدهر وأرشده النبي صلى الله عليه وسلم لصيام داوود عليه السلام كان يقول في آخر عمره ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيام ثلاثة أيام من كل شهر ففي الصحيح أنّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بنِ العاصِ، قالَ: أُخْبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنّهُ يقولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ ولأَصُومَنَّ النَّهارَ، ما عِشْتُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: آنْتَ الذي تَقُولُ ذلكَ؟ فَقُلتُ له: قدْ قُلتُهُ، يا رَسولَ اللهِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ فإنّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلكَ، فَصُمْ وأَفْطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فإنّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أمْثالِها، وذلكَ مِثْلُ صِيامِ الدَّهْرِ قالَ قُلتُ: فإنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذلكَ، قالَ: صُمْ يَوْمًا وأَفْطِرْ يَومَيْنِ قالَ قُلتُ: فإنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذلكَ، يا رَسولَ اللهِ، قالَ: صُمْ يَوْمًا وأَفْطِرْ يَوْمًا، وذلكَ صِيامُ داوُدَ ﵇، وهو أعْدَلُ الصِّيامِ قالَ قُلتُ: فإنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذلكَ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: لا أفْضَلَ مِن ذلكَ. قالَ عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو ﵄: لأَنْ أكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاثَةَ الأيّامَ الَّتي قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أهْلِي ومالِي.. صحيح مسلم ١١٥٩
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ الليل وفي هذا الحديث وكلام بن عَمْرٍو أَنَّهُ يَنْبَغِي الدَّوَامُ عَلَى مَا صَارَ عَادَةً مِنَ الْخَيْرِ وَلَا يُفَرِّطُ فِيهِ..شرح النووي على مسلم (8/ 43)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.