بسم الله، والحمد لله، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد ومن والاه؛ وبعد:
فالأكثر حاجة هو الأولى.
فكل من الصدقة على القريب، وعلى الأحوج: جائز، وتستطيع فعله، وإنما المسؤل عنه الأفضل.
ولا مانع من أن يُفرَّق بين ما هو فرض من الصدقات، وبين ما هو مندوب منها: فيحمل إيثار الأحوج الذي نص عليه الأصحاب على الصدقة الواجبة، وهي الزكاة، ويبقى عموم الصدقة على الأقرباء محمولة على صدقة التطوع، فيقدّم فيه القريب. فقد نصوا في باب الزكاة على ندبية وأفضلية إيثار المضطر على غيره. قال العلامة خليل بن إسحاق المالكي في مختصره في مصارف الزكاة: «ﻭﻧﺪﺏ ﺇﻳﺜﺎﺭ اﻟﻤﻀﻄﺮ ﺩﻭﻥ ﻋﻤﻮﻡ اﻷﺻﻨﺎﻑ». اه. وقال في الكفاف
وآثر المضطر ثم الأدينا ندبًا ولا يأكلْ رووه هاهنا.
هذا كله إذا عنينا بالأحوج أو المضطر من هو أكثر حاجة، لكنه لم يصل إلى درجة الاضطرار القصوى.
على أن الصدقة على المضطر الذي وصل لمرحلة الاضطرار أو قريبًا منها، بحيث لا يجد ما يسد به حاجياته أو ضرورياته التي لا بد منها في الحياة: واجبة، لا من باب الندب فقط، والصدقة على خصوص القريب المحتاج من باب الندب إذا لم يكن مضطرًا. فالحاصل أن الصدقة على المضطر -الذي لا يجد أي شيء يسد به حاجياته وضرورياته- أفضل، بل هي من باب الواجب اللازم، وحرام صرفها لمن هو دونه، مع إمكان صرفها له، والصدقة في ذاتها واجبة للمضطر، وأقل أحوالها أن تكون فرض كفاية. فالمقابلة بين المضطر الذي يجب على المجتمع أن يقدم له عونًا، وبين القريب الذي يحتاج حاجة عادية لا تصل لدرجة الاضطرار. فالصدقة على هذا القريب أفضل منها الصدقة على ذلك المضطر. والله أعلم.