الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
مسألة سلام المسلم على أهل الكتاب من يهود أو نصارى وغير مسلمين بشكل عام
ولا يدخل هذا في باب الموالاة ولا المودة هو من باب المعاشرة والتعايش والعدل﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ [الممتحنة ٨-٩]
لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهم لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وقالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بِالصِّلَةِ وغَيْرِها ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يُرِيدُ أهْلَ البِرِّ والتَّواصُلِ، ا.هــ .فسير الرازي
والفقهاء يقولون:
١- نهى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ بُدَاءَتِهِمْ بِالسَّلَامِ وَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
٢-وأنه سلم صلى الله عليه وآله وسلم تسليما على مجموعة من الناس فيهم يهود كما من رواية أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْيَهُودِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ }
٣- رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ رضي الله عنه يُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَيَقُولُ : هِيَ تَحِيَّةٌ لِأَهْلِ مِلَّتِنَا، وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ نُفْشِيهِ بَيْنَنَا. وَمُحَالٌ أَنْ يُخَالِفَ أَبُو أُمَامَةَ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ.
٤-قال النووي رحمه الله تعالى في شرح على صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
(قوله صلى الله عليه وسلم " فقولوا وعليكم " .....و بهذا الذى ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام روى ذلك عن بن عباس وأبي أمامة وبن أبى محيريز وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردى لكنه قال يقول السلام عليك ولايقول عليكم بالجمع واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث وبإفشاء السلام ..
وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو سبب وهو قول علقمة والنخعي وعن الأوزاعي أنه قال ان سلمت فقد سلم الصالحون وان تركت فقد ترك الصالحون).
و قال قبل ذلك : ( قوله صلى الله عليه وسلم " سلام على من اتبع الهدى " هذا دليل لمن يقول لا يبتدأ الكافر بالسلام وفي المسألة خلاف فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه وأكثر العلماء أنه لا يجوز للمسلم أن يبتدئ كافرا بالسلام وأجازه كثيرون من السلف لاستئلاف أو لحاجة إليه أو نحو ذلك ).
والخلاصة :
أن ابتداء اليهود والنصارى أو غيرهم بالسلام مختلف فيه بين العلماء بناء على الأدلة السابقة والمختار ما ذكره الأوزاعي رحمه الله تعالى وهو فقيه كبير من أهل الشام وقد قال : إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون..
فهذان قولان وإن كانا متعارضان لكن لكل قول دليله المعتبر ويبقى الأمر على الحكمة والحاجة والواقع المعاصر هو الحكم في ذلك كله فإن وجد المصلحة في ترك السلام وعدم الابتداء فليفعل ولكن لاينكر على من ابتدأ يهوديا أو نصرانيا أو غيره بالسلام لأنه قد سبق إليه الصالحون وليس هو مخالف للهدي النبوي الشريف.
والآية الكريمة في وجوب رد السلام جاءت مطلقة ليست مقيدة ويكون الرد بالمثل أو بالأحسن وليست خاصة بأهل الملة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين