الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
هما قولان عند العلماء في حكم فضلات رسول الله صلى الله عليه وسلم. .ورجح الإمام البغوي والسبكي وأبو بكر ابن العربي وغيرهم الطهارة قال الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ وقال الإمام أبو بكر ابن العربي: "بول النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه طاهران".و قال الحافظ ابن حجر وكان السر في ذلك ما صنعه الملكان من غسلهما جوفه" وقال البهوتي في كشاف القناع 5/ 31: ( والنجس منا طاهر منه ) صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء وبجواز أن يستشفى ببوله ودمه ...
ولقد طهَّر الله تعالى حبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم وبرَّأه من جميع الأقذار الحِسّية والمعنوية، ولذا فإن عامة أصحاب المذاهب الأربعة قالوا بطهارة فضلاته صلى الله عليه وسلم، ورجح القاضي عياض في "الشفا" الاستدلال على طهارتها، وذكَر الخطيب الشربيني أنه المعتمد في مذهب الشافعية،
وحكى الإمام الجليل محي الدين النووي رحمه الله تعالى عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ وَأَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فَقَالُوا فِي فَضَلَاتِ بَدَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَوْلِهِ وَدَمِهِ وَغَيْرِهِمَا وَجْهَانِ: وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ فِي الْخَصَائِصِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاهِرٌ... وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهَا بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ الْحَاجِمَ حَجَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِبَ دَمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَأَنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا وَحَدِيثُ أَبِي طَيْبَةَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهُوَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ لِكُلِّ الْفَضَلَاتِ قِيَاسًا: وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا ولم يأمرها بغسل فمها ولا نهاها عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ وَأَجَابَ الْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ تَنَزُّهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَجَاسَةُ الدَّمِ وَالْفَضَلَاتِ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَخَالَفَهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ الْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. المجموع شرح المهذب (1/ 233- 234)
وهو مذهب الحنابلة أيضا، قال العلامة الحجّاوي" والنجسُ منا طاهرٌ منه صلى الله عليه وسلم "، وهو المعتمد أيضا في مذهب الحنفية؛ فقد شربَ بعضُ الصحابة - رضي الله عنهم- من بوله، واستنجاؤه وتطهُّره - صلى الله عليه وسلم- من الخارج من السبيلين لا يدل بالقطع على نجاسة الخارج؛ لاحتمال التعليم، ولأنه ليس كل ما غُسل موضعه من الجسم أو نُظِّف فهو نجس، فالمُخاط يُزال ويُغسل أثره وهو طاهر، وتُغسل الأيدي بعد الطعام، وتُنظَّف الأسنان بالسواك وما عليها ليس نجسًا.
ومن مُستتبَعات ذلك أن الذُّباب كان لا يقع على جسمه الشريف ولا على شيء من ثيابه، كما نصَّ عليه أصحاب الشمائل، ورووا فيه بعض الآثار. منها:
مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو أبو سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة، شرب دم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومصِّه إياه، وتسويغه صلى الله عليه وسلم ذلك له وقوله له: «لن تصيبه النار» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من مس دمه دمي لم يخالطه ذنب، وقتل رضي الله عنه شهيدا في هذه الغزوة. رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن أبي سعيد الخدري، ورواه البيهقي عن عمر بن السائب.. وشرب عبد الله بن الزبير دم حجامته، فقال له عليه السلام: «ويل لك من الناس، وويل لهم منك» ولم ينكر عليه؛ رواه الحاكم والبزار، والدارقطني والبيهقي والبغوي، والطبراني وسنده جيد، والعجب من ابن الصلاح أنه قال: هذا حديث لم أجد له أصلا بالكلية وهو في هذه الأصول وقد روي نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله، فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا.» والحديث رواه الحاكم وأقره الذهبي والدارقطني
- ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم، ولا نهاه عن عود.
وحديث هذه المرأة، التي شربت بوله صحيح، ألزم الدارقطني مسلما، والبخاري، إخراجه في الصحيح، واسم هذه المرأة «بركة» «4» ، واختلف في نسبها، وقيل: هي أم أيمن وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم. ...ملخصاً بتصرف من الشفا بتعريف حقوق المصطفى(1/ 157)
وهذه الأحوال وإن لم تتكرر كثيراً إلا أن لها دلالة واضحة على ما قدّمناه، وفيها ما يتوافق مع جمال وجلال المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو ما جعل أصحاب الشمائل وأكثر العلماء والفقهاء يميلون إلى القول بالطهارة لأنه يتناسب مع الكمال النبوي الذي خصّ الله به الحبيب صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وسلم تسليما كثيراً.