بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
لا يجوز التشهير بأعراض المسلمين، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
وهذا الحكم سواء كان تاب العاصي أو لم يتب؛ لأن الإسلام حريص كل الحرص على بقاء المجتمع نظيفاً من هذه الشائعات الخطيرة، إذ شيوع الفاحشة يؤدي إلى جعل الفاحشة مألوفة ومستساغة.
والمسلم الحريص على مكافحة الجريمة إما أن يذهب إلى مرتكبها وينصحه بعدم العودة إليها، وإما أن يرفع الأمر إلى القاضي، ليوقع عليه العقوبات الزاجرة، والأفضل الستر وعدم رفع الأمر إلى القاضي؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وفي رواية ستره الله في الدنيا والآخرة)، أخرجه البخاري ومسلم.
إلا إذا اشتهر الإنسان بالمعاصي فيندب رفع أمره إلى القضاء لزجره، فإن اشتد فساده وجب رفع أمره إلى القضاء.
وطالما أن الأخت تابت إلى الله تعالى، فهي مظلومة من قبل من قام بفضحها وهتك سترها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) أخرجه ابن ماجه والطبراني والبيهقي.
ويجوز للمظلوم الدعاء على الظالم، وهناك أدلة كثير تدل على ذلك، قال الله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)، فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أن الله لا يحب بأن يدعو أحد على أحد إلا إذا كان مظلوماً.
وجاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (من دعا على من ظلمه فقد انتصر)، أخرجه الترمذي، أي قد استوفى حقه.
ولكن يشترط لجواز الدعاء على الظالم أن يكون بمقدار ما يستحقه من العقاب، قال الله تعال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
كما لا يجوز الدعاء على الظالم بملابسة معصية من معاصي الله تعالى، ولا بالكفر؛ لأن إرادة المعصية معصية، بل يقتصر في الدعاء عليه فيما يتعبه وينكد عليه حياته ومعيشته.
والمظلوم بالخيار: إما أن يأخذ حقه منه بالدعاء أو بإنزال العقوبة به في الدنيا، وإما ألا يعفو ويحتفظ بحقه ليلقى الظالم عقابه وحسابه عند الله تعالى، وإما أن يعفو عنه وهذا أفضل الخيارات، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم باستجابة دعاء المظلوم، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي -صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً إلى اليمن وقال له: ( اتق دعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب )، رواه البخاري ومسلم.