الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
المقصود هو الخروج عن قبضة الله تعالى وعن دائرة ملكه والهروب من عقابه إن كفروا فإنهم لن يقدروا على ذلك وهو تعجيز لهم وتبكيت، ولفت انتباه لأهل الإيمان واليقين بما وعد الله تعالى أو توعّد..
قال الألوسي في روح المعاني: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ، وأصْلُ الِاسْتِطاعَةِ طَلَبُ طَواعِيَةِ الفِعْلِ وتَأتِّيهِ.
﴿أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنْ تَخْرُجُوا مِن جَوانِبِ السَّماواتِ والأرْضِ هارِبِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فارِّينَ مِن قَضائِهِ سُبْحانَهُ ﴿فانْفُذُوا﴾ فاخْرُجُوا مِنها وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ عَزَّ وجَلَّ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ ﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ ﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنْتُمْ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ وألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ،
وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: والنُّفُوذُ والنَّفاذُ: جَوازُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وخُرُوجُهُ مِنهُ. والشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، وكَذَلِكَ الأمْرُ الَّذِي هو جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ فانْفُذُوا، أيْ وأنْتُمْ لا تَسْتَطِيعُونَ الهُرُوبَ.
والمَعْنى: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى الاِنْفِلاتِ مِن هَذا المَوْقِفِ فافْلِتُوا. وهَذا مُؤْذِنٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ مِمّا سَيَظْهَرُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِنَ العِقابِ لِأهْلِ التَّضْلِيلِ.وهَذا إعْلانٌ لَهم بِأنَّهم في قَبْضَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَجِدُونَ مَنجى مِنها، وهو تَرْوِيعٌ لِلضّالِّينَ والمُضِلِّينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ الجَزاءِ السَّئِّ
وقال الإمام الرازي: لا تَنْفُذُونَ مِن أقْطارِ السَّماواتِ، ولا تَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ ولا تَجِدُونَ ما تَطْلُبُونَ مِنَ النُّفُوذِ وهو الخَلاصُ مِنَ العَذابِ إلّا بِسُلْطانٍ مِنَ اللَّهِ يُجِيرُكم وإلّا فَلا مُجِيرَ لَكم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.