الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
الأصل أن الكذب حرام لا يجوز، ومن اضطر لذلك لحاجة شرعية فإنه يمكن أن يستعمل المعاريض بقدر الضرورة دون التوسع، وقد استثنت الشريعة بعض الأحوال لذلك مثل الكذب في الإصلاح والحرب ونحوه يجري في مجرى جبر الخواطر..ولا مانع لك في جبر خاطر صديقك باستعمال المعاريض في كلامك معه وخصوصاً إذا سألك ..والاستغفار من المعاريض لا بأس فيه وهو مسلك طيب لأهل التوبة والإنابة إلى الله حتى مما لا يعتبر ذنباً كما كان يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معصوم من الذنوب.
ولذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
"..الِاحْتِرَازُ عَنِ الْمَعَارِيضِ فَقَدْ قِيلَ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الكذب إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو عليه في نفسه إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَتَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَفِي تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ وَفِي الْحَذَرِ عَنِ الظَّلَمَةِ وَفِي قِتَالِ الْأَعْدَاءِ وَالِاحْتِرَازِ عَنِ إطلاعهم على أسرار الملك فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَصِدْقُهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ نُطْقُهُ فِيهِ لِلَّهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ الْحَقُّ بِهِ وَيَقْتَضِيهِ الدِّينُ فَإِذَا نَطَقَ بِهِ فَهُوَ صَادِقٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ مُفْهِمًا غَيْرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصِّدْقَ مَا أُرِيدَ لِذَاتِهِ بَلْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ فَلَا يُنْظَرُ إِلَى صُورَتِهِ بَلْ إِلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَنْبَغِي أن يعدل إلى المعاريض ما وحد إِلَيْهِ سَبِيلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى سَفَرٍ وَرَّى بِغَيْرِهِ" متفق عليه. وَذَلِكَ كَيْ لَا يَنْتَهِيَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَعْدَاءِ فَيُقْصَدَ وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ فِي شَيْءٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ أَنْمَى خَيْرًا" متفق عليه. وَرَخَّصَ فِي النُّطْقِ عَلَى وِفْقِ الْمَصْلَحَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ وَمَنْ كَانَ فِي مَصَالِحِ الْحَرْبِ
وَالصِّدْقُ هَهُنَا يَتَحَوَّلُ إِلَى النِّيَّةِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ إلا صدق النية وإرادة الخير فمهما صح قَصْدُهُ وَصَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَتَجَرَّدَتْ لِلْخَيْرِ إِرَادَتُهُ صَارَ صَادِقًا وَصِدِّيقًا كَيْفَمَا كَانَ لَفْظُهُ ثُمَّ التَّعْرِيضُ فِيهِ أَوْلَى وَطَرِيقُهُ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُهُ بَعْضُ الظَّلَمَةِ وَهُوَ فِي دَارِهِ فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ خُطِّي بِأُصْبُعِكِ دَائِرَةً وَضَعِي الْأُصْبُعَ عَلَى الدَّائِرَةِ وَقُولِي لَيْسَ هُوَ هَهُنَا وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنِ الْكَذِبِ وَدَفَعَ الظَّالِمَ عَنْ نفسه فكان قوله صدق وأفهم الظالم أنه ليس في الدار
فالكمال الأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضاً إلا عند الضرورة والكمال الثاني أَنْ يُرَاعِيَ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي أَلْفَاظِهِ الَّتِي يُنَاجِي بِهَا رَبَّهُ كَقَوْلِهِ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فطر السموات والأرض فَإِنَّ قَلْبَهُ إِنْ كَانَ مُنْصَرِفًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْغُولًا بِأَمَانِي الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهِ فَهُوَ كَذِبٌ... إحياء علوم الدين (4/ 388)
الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْكَذِبِ بِالْمَعَارِيضِ:
وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية وقالوا : نُقِل عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ، قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الرَّجُل عَنِ الْكَذِبِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ إِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ إِلَى الْكَذِبِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَضَرُورَةٌ فَلاَ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ وَلاَ التَّصْرِيحُ جَمِيعًا، وَلَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَهْوَنُ.الموسوعة الفقهية الكويتية (34/ 211)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين