الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد:
التزم بكلام أهل العلم الثقات الذين يأخذون عن المذاهب الأربعة السنيّة المعتبرة، ولا يكفّرون أحداً من أهل القبلة، وخذ دينك عن أهل الاستقامة المتبعبن لمنهج أهل السنة والجماعة المذاهب الأربعة ممن لم يخرج عنها..وعُرف بالتمسك بها.
وذكر العلماء أن ضابط العذر بالجهل الذي يُقبل فيه العذر ثلاثة :
الأول: أن ينشأ في بلاد بعيدة عن العلماء .
الثاني : أن يكون حديث عهد بإسلام .
الثالث : أن تكون المسألة من الدقائق التي قد تخفى على طالب العلم .
فإن لم يكن ممن تنطبق عليه هذه الأمور الثلاثة فيجب عليه أن يتعلم أمور العقيدة الواجب عليه تعلمها ولا يعذر بتركها إن قصّر في تعلّمها.
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى :
"ما عُصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل .
قيل: فهل تعرف شيئا أشد من الجهل؟
قال: نعم الجهل بالجهل! لأن الجهل بالجهل يسد باب التعلم بالكلية؛ فمن ظن بنفسه العلم كيف يتعلم" [ إحياء علوم الدين، 447/4].
قال ابن حجر الهيتمي في الاعلام بقواطع الاسلام عن مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
(بل مذهبنا ..... فإنه عندنا يعذر إن قرب إسلامه أو نشأ بعيداً عن العلماء)
وأصل العذر بالجهل هو القرآن الكريم ثم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قال الله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}
وقال: {ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا} والله سبحانه استجاب هذا الدعاء، فقال: (فقد فعلت) رواه مسلم
قال النبي -صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) صحيح رواه ابن ماجة وابن حبان
لذلك كانت مسألة العذر بالجهل من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، لمعرفة الحكم على الشخص المعين.....
وقد يتفق على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر لكن الفاعل ليس بكافر!! لأنه قد يكون على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام ..وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً
لذلك يرى اهل السنة والجماعة أنهم يُخَطّؤون ولا يُكفّرون.
ومن هنا قال ابن حجر رحمه الله تعالى: المخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره، ..والخاطئ من تعمد الخطأ. فتح الباري(160/5)
وقال ابن رجب الحنبلي: " الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، ... والأظهر - والله أعلم - أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما، بمعنى: رفع الإثم عنهما، لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات" جامع العلوم والحكم ص375
وجاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "لله أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردّها. . . فإن خالف أحد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، وأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل" (سير أعلام النبلاء 10/ 80)
وقال ابن العربي: "الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ )أهـ محاسن التاويل(220/5)
وأما القاضي عياض رحمه الله تعالى فقد ذكر عند حديث رواه مسلم: (..قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح): ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به "
صدر من هذا الرّجل وهو غير ضابط لما قاله، لما ناله من السّرور ببلوغ ما لم يخطر بباله, فلم يضبط لسانه دهشاً وفرحاً
ومثله ماذكر الإمام السبكي رحمه الله تعالى: عند قول الله تعالى: {إنّ ذلكم كان يؤذي النّبيّ}: فهذه الآية في ناس صالحين من الصحابة، لم يقتض ذلك الأذى كفراً، وكل معصية ففعلها مؤذي، ومع ذلك فليس بكفر) أهـ فتاوي السبكي(591/2)
و قال ابن الوزير عند حديث ( الذي أمر بحرق جسده بعد موته خشية من الله) :(وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) إيثار الحق على الخلق (394)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.