الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
هذه التخيّلات من الأمور المحرّمة لأن فيها استدعاء للغفلة وللمعصية، وفرقٌ كبير بين أن تأتي بغير قصدٍ وهي معفو عنها لذلك، وبين أن تتعمد تذكّر المعاصي والمخالفات؛ فهذا نوع فعل يأثم فاعله، وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما، قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ»،أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) واللفظ له.
وهذه الخوطر ينبغي على المؤمن أن يدفعها لا أن يستجلبها ويتعمد استحضارها وتذكرها فهذا التعمد فعل محرّم يستوجب صاحبه الإثم والعقوبة من الله تعالى.
وقوله صلى الله عليه وسلم: والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي ..النفس هنا: أي القلب.ويؤيده الرواية الأخرى: وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى...قال العلامة ملا على القاري رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث: " ..زِنَا النَّفْسِ تَمَنِّيهَا، وَاشْتِهَاؤُهَا وُقُوعَ الزِّنَا الْحَقِيقِيَّ، وَالتَّمَنِّي أَعَمُّ مِنَ الِاشْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمُمْتَنِعَاتِ دُونَهُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّمَنِّيَ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْبَاطِنِ، وَأَصَرَّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ يُسَمَّى زِنَا، فَيَكُونُ مَعْصِيَةً، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَتَأَمَّلْ. (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: سَمَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِاسْمِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَاتٌ مُؤْذِنَةٌ بِوُقُوعِهِ، .." مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 158)
فالاسترسال مع هذه التخيلات استرسال في المعصية والحرام وباب لفعل المحرمات، وتسهيلُ للاقتراب منها، وعلى المؤمن أن يتذكر الموت ونهايته، والقبر وظلمته، والآخرة وحسابها وعذابها، ويتذكر نعيم الجنة ورؤية الله تعالى، ويستعد لذلك بالتوبة والإنابة والعمل الصالح، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لذلك. آمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين