الحمد لله وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة) صحيح مسلم ٢٦
هذا من الأحاديث الهامة التي وضعها الإمام مسلم تحت (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة)
وساق أحاديث فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها هذا الحديث الذي يعتبر من جوامع الكلم
وقد نقل الإمام النووي في شرحه كلاماً نفيساً جامعاً وأبرز في نهايته قول المحققين من أهل السنة والجماعة فقال :
قال القاضي عياض رحمه الله اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الإيمان وقالت الخوارج تضره ويكفر بها وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق وقالت الأشعرية بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا محمله على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفى قوله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله صلى الله عليه وسلم غير شاك فيهما وهذا يؤكد ما قلناه قال القاضي وقد يحتج به أيضا من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرا في الحديث الآخر من قال لا إله إلا الله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث وفي رواية معاذ عنه صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم من لقى الله لايشرك به شيئا دخل الجنة وعنه صلى الله عليه وسلم ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك وزاد في حديث عبادة على ما كان من عمل وفي حديث أبي هريرة لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق وفي حديث أنس حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله تعالى وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله في كتابه فحكى عن جماعة من السلف رحمهم الله منهم بن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي وقال بعضهم هي مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصري وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخاري وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه المحققون فنقرر أولا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الإيمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة فإن كان تائبا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فإن حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاري وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو في المشيئة لا يقطع في أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لأول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة إن شاء الله تعالى عذبه بذنبه وإن شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل الأحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلا معافى وإما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة فى المسئلتين ويجوز في حديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلطا فيكون سببا لرحمة الله تعالى إياه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أي أبواب الجنة شاء يكون خصوصا لمن قال ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى والله أعلم هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وهو في نهاية الحسن وأما ما حكاه عن بن المسيب وغيره فضعيف باطل ..انتهى. شرح النووي على مسلم (1/ 218-219- 220)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.